الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: ثلاثة سيناريوهات

د. باسكال بونيفاس: الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي .. ثلاثة سيناريوهات

  • 12 مارس 2005

بإمكاننا أن نستخلص ثلاثة سيناريوهات فيما يتعلق بمستقبل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وحسب السيناريو الأكثر سوءا، فإن الولايات المتحدة مقتنعة بأنها قوية بما فيه الكفاية في العالم لتتصرف دون أن يعوقها أي شيء، في حين تعتقد إسرائيل أن موازين القوى تخدم مصلحتها إقليميا، وأن الغطاء الأمريكي يحميها في كل الأحوال على المستوى العام. إن الحليفين يرتكبان خطأ في التحليل التاريخي لما أصبحت عليه اليوم موازين القوى في عصر العولمة، ذلك أن القوة، في القرن الحادي والعشرين، لم تعد وحدها كافية لضمان الأمن، كما أن القوة المحضة، مهما كانت أهميتها، لم تعد تساوي شيئا إذا صاحبها استياء شعبي قد يصل إلى حد الكراهية.

ثمة نظرة سياسية مشتركة لكل من جورج بوش وأرييل شارون أقنعتهما بأن القوة قادرة على حل المشكلات السياسية كلها. كما أنهما يتشاطران الاقتناع بأن كلا منهما يمثل أمة مختلفة وأكثر رقيا من الأمم الأخرى من الناحية الأخلاقية، وأن الدولة الإسرائيلية الصغيرة والجزيرة الأمريكية العالمية محاطتان بالأعداء. وحتى وإن تساءل بوش عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول "لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد؟"، فإنه لم يعط المسألة حقها من التفكير الجاد. وفي محاولته للإجابة عن هذا السؤال، لم يجد سوى رفض الآخر للديمقراطية والطابع العالمي الأمريكي. وفي السياق نفسه، يعتقد شارون أن سبب كره الآخرين لبلده هو كونه دولة لليهود ليس إلا. ويبدو أن كليهما لا يدرك أن تصرفاته وسياساته قد تكون هي السبب في ذلك، بحيث إنه كلما تضاعف الاعتراض ضد جيوش الاحتلال، لجأت هذه الأخيرة إلى القوة للحفاظ على مراكزها، وكلما لجأت إلى القوة تراجعت شعبيتها.

أما السيناريو الثاني، فإنه يفترض تحقق السلام في الشرق الأوسط. فسبل الحل معروفة بوضوح؛ إذ تتبلور في بنود اتفاقية طابا (الموقعة بين المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين في شهر يناير/كانون الثاني 2001، والتي تعذر تنفيذها بسبب تغيير السلطة في إسرائيل بعد أيام من إبرامها)، ومبادرة السلام التي طرحها الأمير عبدالله، والتي وافقت عليها الدول العربية كافة، في شهر مارس/آذار 2003، ومبادرة جنيف التي أعلنت في شهر ديسمبر/كانون الأول 2003 من قبل الوزيرين السابقين الفلسطيني ياسر عبد ربه والإسرائيلي يوسي بيلين. وتصب هذه الاتفاقيات والمبادرات كافة في إطار واحد يمكن بلورته على النحو التالي:
– اعتراف الدول العربية بإسرائيل.
– حق الفلسطينيين في إقامة دولة على أساس حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967.
– إمكانية إجراء تعديلات على الحدود، بتبادل مناطق معينة، بموافقة الطرفين.
– تُلحق الأحياء اليهودية في القدس بإسرائيل والأحياء العربية بفلسطين. ويعود الحرم القدسي إلى الفلسطينيين وحائط المبكى إلى الإسرائيليين.
– فيما يتعلق بمسألة اللاجئين، يتعين الاعتراف بمبدأ حق العودة إلى جانب الأضرار التي تكبدها فلسطينيو 1948. وبناء على ذلك، يتعين تعويض هؤلاء الفلسطينيين من قبل إسرائيل ومن خلال مساعدة دولية. ولكن إسرائيل هي التي تقوم بتحديد عدد اللاجئين الذين تقبل إقامتهم على أراضيها.

وأما "خارطة الطريق"، المقترحة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وروسيا ومنظمة الأمم المتحدة، والتي قبلها الفلسطينيون والإسرائيليون رسميا، فتنص على إقامة دولة فلسطينية خلال عام 2005. لكن خطة أرييل شارون للانسحاب من غزة ما زالت تلقى معارضة من قبل المستوطنين والجناح اليميني في حزب الليكود. ومن أجل التوصل إلى تطبيقها، شكل أرييل شارون حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تم انتخاب رئيس جديد للسلطة الفلسطينية، محمود عباس (أبو مازن)، بتاريخ 9 يناير/كانون الثاني 2005. وكان أبو مازن قد دعا خلال حملته الانتخابية إلى إنهاء الانتفاضة المسلحة، وعبرت واشنطن وتل أبيب عن ارتياح كبير إثر انتخابه.

وفي السياق نفسه، أعادت القمة التي جمعت عباس وشارون بتاريخ 8 فبراير/شباط 2005 الأمل في استئناف مفاوضات السلام. وفي الواقع، يمكن تقييم خطة شارون من خلال وجهتي نظر مختلفتين؛ إحداهما متفائلة والأخرى متشائمة. فمن خلال وجهة النظر المتفائلة، يشكل الانسحاب من غزة مقدمة لتسوية نهائية تتضمن الانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشرقية. وبما أن هذا الخيار ممكن، فيتعين دعم خطة الانسحاب من غزة، حتى وإن كانت تتضمن خللا يتعلق بجزئيتها وأحاديتها (بالنظر إلى أن الطرف الفلسطيني لم يُشرك في التفاوض بشأنها). على أن هذه الخطة، في حال تحققها من خلال هذا المنظور، تمثل خيارا أفضل من بقاء الوضع الراهن على حاله.

ولكن ثمة رؤية تشاؤمية أيضا، تمثل السيناريو الثالث ضمن سيناريوهات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وحسب هذا السيناريو، فإن خطة الانسحاب من غزة ليست سوى مخادعة لا تشكل مؤشرا إلى إقامة سلام نهائي، ولكنها على العكس من ذلك تجمد تحقيق ذلك السلام. إن من شأن هذه الخطة أن تغمس اتفاق السلام في "مادة الفورمالين"، على حد تعبير دوف ويسغلاس، مستشار شارون، في حديث صحفي أجراه أخيرا. ويتعزز هذا بما يظهر من تعاطي إسرائيل مع الانتقادات القادمة من الخارج يتبني استراتيجية اتصالات جديدة وليس من خلال تغيير سياساتها. ويتعلق الأمر في هذا المقام بكسب الوقت (من خلال الاقتناع بوهم مفاده أن الفلسطينيين وبقية العالم سوف يقبلون حتما سياسة الأمر الواقع) من جهة، ومعالجة التوازنات الديمجرافية للحفاظ على الوضع الراهن من جهة أخرى. وبالفعل، تبين التوقعات أنه في غضون خمس عشرة سنة، سيكون الإسرائيليون قلة ضمن أراضي فلسطين التاريخية. وبناء على هذا، فإن التخلص من غزة حيث يعيش 7000 مستوطن إسرائيلي مقابل 1.4 مليون فلسطيني، يتيح لإسرائيل فرصة التقاط الأنفاس على المستوى الديمجرافي. ووفق ذلك التحليل، لا يكون هذا الانسحاب مؤشرا لإرساء دعائم سلام شامل، وإنما لإقامة دولة فلسطينية عاجزة في غزة وربما تمتد إلى جزء من الضفة الغربية. وفي هذا الشأن بالذات، يبرز دور بناء الحائط الذي أطلقت عليه الحكومة الإسرائيلية مجازا اسم "الجدار الواقي".

يراهن بعض المسؤولين الإسرائيليين على إجهاد الفلسطينيين واستيائهم، إذ يعتقد هؤلاء أن الفلسطينيين لن يتحملوا إلى الأبد الإهانات والقمع اللذين أصبحا جزءا من حياتهم اليومية. ويعول هؤلاء المسؤولون على أن هذا الوضع سيرغم محمود عباس (أبو مازن) على التخلي عن المطالبة بحدود عام ،1967 وبالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية. ولكن ذلك ليس سوى فكرة مكذوبة، إذ إن هذا الحل لن يحظى على الإطلاق بموافقة الفلسطينيين، ولن يؤدي إلى إطالة أمد النزاع في الشرق الأوسط فحسب، بل سيؤدي إلى اتساع رقعته إلى أبعد الحدود.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات