الشرق الأوسط: المحور الاستراتيجي للعالم

د. باسكال بونيفاس: الشرق الأوسط... المحور الاستراتيجي للعالم

  • 6 أبريل 2005

كانت منطقة الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1967، مسرحاً استراتيجياً هامشياً إلى حد ما على الصعيد العالمي. ولكنها أخذت بعداً جديداً خلال السبعينيات من القرن الماضي مع انطلاق التسارع الإقليمي نحو التسلح وحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، التي أدت إلى استنفار القوتين النوويتين السوفييتية والأمريكية، إلى جانب الآثار السلبية التي أحدثها عدم استقرار أسواق النفط على الاقتصاد العالمي.

كان الصراع في الشرق الأوسط، وحتى نهاية الحرب الباردة، صراعاً كغيره من الصراعات المتضمنة في جدول القوتين العظميين. وكانت واشنطن وموسكو تتابعان مجريات الأحداث عن كثب على غرار اهتمامهما بالنزاعات الأخرى التي كانت آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية مسرحاً لها. لقد كان الأمر يتعلق فعلاً بمنطقة منافسة بين الشرق والغرب، وكان العالم برمته يدور حول هذا المحور الذي لم تكن منطقة الشرق الأوسط مستثناة منه. لقد كان لصراع الشرق الأوسط خصائصه المميزة بكل تأكيد، ولكن ذلك كان ينطبق أيضاً على الهند الصينية وأمريكا الوسطى وأفغانستان والقرن الإفريقي.

كانت الأولوية الاستراتيجية لمسرح الأحداث في أوروبا، ذلك أنها منطقة التواصل والانشقاق بين الشرق والغرب. وما حائط برلين والجدار الحديدي إلا رمزان لوجود العالم المزدوج القطبية في ذلك الحين. وعلى خشبة ذلك المسرح بالذات كانت تتحدد ملامح مستقبل العالم، إلى درجة أن منطقة الشرق الأوسط لم تكن موضع اهتمام على مستوى مراكز البحث والدراسات الجامعية، سوى من قبل المختصين بشؤونها. وباستثناء بعض المبادرات الشخصية، فإن خبراء المجال الجيوستراتيجي لم يكونوا يعيرون المنطقة اهتماماً كبيراً. ولكن الأمر تغير اليوم، بحيث بات الشرق الأوسط محوراً استراتيجياً بالغ الأهمية إلى درجة أن الدارسين للإشكاليات الدولية، باستثناء الاختصاصيين المعنيين بالمناطق الأخرى، لم يعد بإمكانهم تجاهل هذه المنطقة على الإطلاق. فالمختصون بالمسائل الإفريقية وآسيا وأمريكا اللاتينية لا يتناولون منطقة الشرق الأوسط إلا من منظور المواطن العادي. أما المتخصصون في المسائل الدولية والجيوستراتيجيون، فقد أصبح الشرق الأوسط، بالنسبة إليهم، من المسائل المتداولة يومياً.

في هذا المكان بالذات يتحدد فعلاً مستقبل الأمن الدولي. والتأكيد على ذلك لا يعني أن المواجهة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي أمر لا مناص منه، بل العكس تماما، فهي ليست قدراً لا يمكننا تفاديه. ولكن التأكيد، في الوقت نفسه، على المركزية الاستراتيجية للشرق الأوسط معناه إدراك الجهود التي يتعين بذلها والعمل الذي يجب إنجازه من أجل تفادي وقوع صدام الحضارات، لأننا إن لم نكن متيقظين فإنه سوف يقع لا محالة. ومع كل أسف، كنا خلال السنوات الماضية نقترب من هذا الصدام أكثر بدلاً من ابتعادنا عنه.

وشيئاً فشيئاً، بدأ هذا الصراع يتخذ حجماً لم نعهده من قبل. فبطريقة غريبة، تحول الحديث عن الصراع باعتباره صراعاً إسرائيلي-عربياً إلى الحديث عنه باعتباره صراعاً إسرائيليا-فلسطينياً. ورافق هذا الاختزال الجغرافي تزايد مستمر لأهمية الصراع في تحديد مفهوم الأمن الدولي. ومن الغريب أن صامويل هنتنجتون، الذي توقع أن تكون الحروب الأيديولوجية في القرن العشرين نتيجة لصراع الحضارات، لم يخصص سوى بضعة أسطر للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في كتابه "صدام الحضارات"، ولم يجعل منه الموضوع الأساسي للتدليل على نظريته، مقتصراً على المماثلة بين الحضارة اليهودية (التي لم يصنفها من بين الحضارات الثمانية التي ميزها) والحضارة الغربية.

ومع ذلك، فإن العالمين العربي والإسلامي يعتبران استمرارية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني دليلاً على عدوانية العالم الغربي تجاههما، على الرغم من اختلاف المواقف تجاه هذا الصراع بين الغربيين أنفسهم، وخاصة بين الأمريكيين والأوروبيين.

إن مستقبل العالم يتحدد إلى حد كبير في منطقة الشرق الأوسط ولا سيما تلك المساحة الصغيرة التي تمثل الأراضي الإسرائيلية-الفلسطينية، ثم بصفة أوسع، يتوقف على النتيجة التي سوف تسفر عنها القضية العراقية في الإطار الأشمل لمنطقة الخليج. وحسب ما تكون عليه المنطقة من مواجهة أو استقرار، سيكون العالم إما أكثر هدوءاً وإما أن يسقط في دوامة الكوارث.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات