السعودية وسورية: علاقات عميقة تتجاوز الخيبات

د. بشارة نصار شربل: السعودية وسورية... علاقات عميقة تتجاوز الخيبات

  • 9 مايو 2005

 مهما حصل، يبقى لبنان وسورية دولتين شقيقتين". هذه العبارة نقلت عن ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبد العزيز إثر لقائه المتوتر مع الرئيس السوري بشار الأسد بعد نحو ثلاثة أسابيع من اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في وسط بيروت. ولم يكن كلام الأمير عبدالله معبراً فقط عن لحظة محددة في تاريخ العلاقات اللبنانية-السورية، التي تعرضت لانقلاب مثير، بل موحياً بمستقبل العلاقات السعودية-السورية، التي تعرضت لما يشبه زلزالاً يحتاج إلى جهد كبير للملمة نتائجه ورأب الصدوع التي تسبب بها في مسيرة دولتين، كانتا على مدى أكثر من ثلاثة عقود تزينان علاقاتهما بميزان المصالح الاستراتيجية، وبميزان مفهوم "الاستقرار"، وبأسلوب التعاون لدرء التأثيرات الخارجية، وبشبكة الحماية المتنوعة عبر توظيف العلاقات الدولية لتبادل الخدمات المفيدة لسياستيهما.

تعرضت العلاقات السعودية-السورية لهزة عنيفة تعاكس تاريخاً لها صيغ بتأنٍّ شديد وببراجماتية نادرة. فهذه العلاقات كانت صامدة ومتينة منذ وصول الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة. وهي رغم انتماء كلٍّ من البلدين إلى معسكر في الحرب الباردة وتناقض النظامين الأيديولوجي، تمكنت من نسج تحالف ظاهري أحياناً عبر عموميات التضامن العربي ومتطلبات القضية القومية، وخفي عموماً يتمثل في علاقة استخباراتية دائمة كانت تبقى وثيقة حتى في ظروف التمايز السياسي العلني.

لا يختصر الوضع اللبناني مجمل تشابك المصالح السورية-السعودية؛ فلبنان لم يكن إلا جزءاً من العلاقة السعودية-السورية العنكبوتية، إذ إن تشعب هذه العلاقة جعل الملف المشترك يضم كمية كبيرة من المواضيع كان أحد اختباراتها الناضجة محك الموضوع الإيراني، خصوصاً إبان حرب الخليج الأولى التي ساندت فيها السعودية نظام صدام حسين في حملته العسكرية على نظام الخميني، في حين وقف حافظ الأسد إلى جانب "الثورة الإسلامية" على خلفية العداء المحكم بين "البعثين" في دمشق وبغداد، وعلى خلفية حسابات استراتيجية أخرى تتعلق بموقع سورية الإقليمي وانتزاع دور مميز لها في ساحة الصراع في المنطقة. ورغم أن الحرب المدمرة التي جرت بين إيران والعراق تسببت باصطفاف عربي خطير، فإن الرياض ودمشق استطاعتا إبقاء علاقاتهما في مستوى معقول، واتفقتا على الأقل على مصلحة مشتركة في أن يخرج طرفا الحرب منهكين وعاجزين عن التطلع إلى أبعد من حدودهما، سواء بالنسبة إلى خطر تصدير الثورة الخمينية أو بالنسبة إلى الطموح الصدامي في تزعم العالم العربي.

جزء كبير من مرارات المملكة السعودية الأخيرة إزاء سورية يعزوه السعوديون إلى أن الرياض قدمت خدمات هائلة للنظام السوري، وعملت دائماً على التخفيف من حدة الغضب الأمريكي إزاء دمشق، ومارست على الدوام دور المهدئ وقناة الاتصال ذات الصدقية لإبقاء الجسور مفتوحة بين العاصمة السورية وواشنطن. ومعروف أن السعودية بحكم موقعها الاستراتيجي المميز وثقلها الاقتصادي والسياسي، استطاعت أن تضمن لنفسها دوراً دائماً في ما يتعلق بتطورات المنطقة كلّها من أفغانستان والخليج وصولاً إلى الشرق الأوسط. فكانت عملياً موجودة على حدود الحرب الساخنة الأمريكية-السوفييتية في أفغانستان، وعلى حدود النزاع الخليجي-الخليجي حين احتدمت حرب إيران والعراق، وعلى حدود النزاع العربي-الإسرائيلي في مراحله كلّها عبر الدعم الدائم للفلسطينيين ولدول المواجهة في السياسة والمال، في موازاة دور ديبلوماسي يتمثل بمبادرات سلمية استثنائية، سواء في مشروع الملك فهد للسلام في قمة فاس أو في مبادرة الأمير عبدالله في قمة بيروت.

لم تغب الرياض أبداً عن معظم الملفات السورية؛ فهي حاضرة في تنازع "البعثين" وتطورات علاقات "الأخوة الأعداء"، وظلها مخيم في التوتر المتقطع في الملف السوري-الأردني في مصالحات الأسد والملك حسين أو في الملف الدامي السوري-الفلسطيني، أو السوري-اللبناني، أو السوري-الإسرائيلي، وخصوصاً السوري-الأمريكي. والمملكة كانت في كل هذه الملفات سنداً قوياً لسورية وصاحبة تأثير دولي لجم مرات كثيرة عدوانية إسرائيل، وحال دون إحكام الطوق على النظام السوري أو حصاره دولياً. لذلك فإن الرياض ترى دائماً خيط علاقاتها مع دمشق موصولاً، ولا تتصور يوماً أن ينقطع عند عقد أزمة أو بفعل شد عنيف يسببه حدث كبير.

تكفي العودة إلى ظروف حرب أكتوبر/تشرين 1973 ليكتشف الباحث عمق العلاقة التضامنية السعودية-السورية التي لا تكتفي فيها الرياض بالسعي الخارجي لحماية ظهر دمشق في مقابل ضبط سورية للمتطرفين الذين يستهدفون المملكة ونظامها على وجه التحديد، بل تذهب أبعد من ذلك لتصل في نهاية السبعينيات من القرن الماضي إلى قطع العلاقات الديبلوماسية مع مصر إثر زيارة الرئيس أنور السادات لإسرائيل وتوقيع معاهدة كامب ديفيد. وبين التاريخين كانت السعودية تعمل على إطفاء نار الحرب التي نشبت في لبنان عامي 1975 و1976، والتي سميت "حرب السنتين" لتثمر مساعيها الديبلوماسية قمة في الرياض شرّعت التدخل العسكري السوري في لبنان، ومنحته مظلة عربية عبر تشكيل "قوات ردع" عربية ما لبثت أن صارت بعد أشهر سورية فقط. ثم جددت التكليف المطلق لسورية بلبنان باتفاق الطائف الذي أعطاها أدوات دستورية لبنانية تدير عبرها ومباشرة "الورقة" اللبنانية.

زيارة الأمير عبدالله لدمشق، وهي التي لم تكن متوقعة على الإطلاق خصوصاً بعد زيارة الرئيس بشار الأسد للرياض، والتي طلب خلالها ولي العهد السعودي سحباً فورياً وكاملاً للجيش السوري، أتت في سياق استثنائي لعلاقات دمشق بالرياض كي تؤكد أنه مهما جرى فإنها تبقى معقولة حين تكون عند مستوى الصفر، وتبقى موصولة حين تتدهور إلى ما دون الصفر. ولا شك أن الغضب السعودي الذي أعقب اغتيال الحريري، الذي تعتبره العائلة السعودية الحاكمة جزءاً منها على المستوى الشخصي وممثلاً لسياساتها في لبنان، حقق عبر الحزم والتصميم أهدافاً سياسية محددة بعيدة عن لغة الانفعال. فهو أنجز سحباً كاملاً للقوات السورية واستخباراتها من لبنان، ودعم دولياً تشكيل لجنة تحقيق في جريمة اغتيال الحريري، وأعاد النصاب إلى الحياة السياسية اللبنانية عبر تسوية شاركت فيها المملكة مع فرنسا والولايات المتحدة والأمم المتحدة وبرضى سوري. بالطبع نجم عن ذلك كلّه تقلص للنفوذ السوري في لبنان، ومزيد من الحصار على النظام في دمشق، ما جعل الحاجة ماسة إلى دور سعودي يخفف من وطأة الضغط الأمريكي على سورية. والأكيد أن الأمير عبدالله كان أثناء اجتماعه مع الرئيس بوش في تكساس أخيراً خير مدافع عن بقاء النظام السوري واستقراره معارضاً استهدافه وإسقاطه. فالسعودية، رغم المرارة التي تشعر بها إزاء سورية، تفضل دائماً ألا يمس النظام وألا تحصل سابقة تغيير لا يبقى أحد في منأى عنها. ولعل قدوم الأمير عبدالله إلى سورية يحمل رسالة طمأنة وتنبيه في آن معاً. فالسعودية لن تسير في أي خطة أمريكية تضع أحد خياراتها إزاحة النظام السوري. لكنها لا تتردد على الإطلاق في تأييد قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بلبنان، وهي إذ تنصح دمشق بنمط ثابت وجديد من التعامل مع جارها الصغير يأخذ في الاعتبار كل الظروف التي أنتجت الوضع الناشئ في لبنان، فإنها في الوقت نفسه ستبقى وفية إلى "مفهوم الاستقرار" إذ إن تغيير الأنظمة والانقلابات تحت أي ذريعة مرفوض لدى المملكة بسبب طبيعة نظامها ورفضها احتمالات الفوضى وخشيتها من أي عدوى.

لا شيء يشبه ما سبقه. لكن السعودية وسورية تبدوان محكومتين بقدر العض على النواجذ وتضميد الجراح حين تصيب العلاقات بين البلدين، مع إدراك عميق بأن العلاقة المتكافئة السابقة أخلت المكان لرغبة دفينة بالحفاظ على شبكة أمان تحفظ حداً أدنى من قدرة العرب على مواجهة مشاريع فرض التغيير من الخارج وفرض التسوية التي لا تنسجم إلا مع أمن وطموحات إسرائيل، وهي الرغبة نفسها الحريصة أولاً وأخيراً على حفظ النظام في كلا البلدين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات