الخطر الطائفي: مساهمة في تحرير القضية من مظاهر الالتباس

شحاتة محمد ناصر: الخطر الطائفي... مساهمة في تحرير القضية من مظاهر الالتباس

  • 16 يناير 2007

على خلفية الاحتقان الطائفي في العراق ولبنان، وما يثار عن دور لإيران في البلدين، وارتباطاتها بالشيعة العرب بشكل عام، كثر الحديث خلال الفترة الماضية عن خطر الطائفية، وكيف أن الصراع الإقليمي بين السنة والشيعة سوف يغير وجه منطقة الشرق الأوسط ويعيد ترتيب أولوياتها، بل إن البعض ذهب إلى القول بأن حدود المنطقة سوف يعاد ترسيمها على أسس طائفية وعرقية. وفي هذا الإطار جاء الكلام عن "هلال شيعي" يشمل العراق ولبنان وسوريا وإيران، والتشكيك في ولاء الشيعة العرب لأوطانهم، والتحذير من "موجة تشيع " تجتاح العديد من الدول العربية، بمساعدة من إيران، تحتاج إلى وقفة سنية أو "تحالف سني " لمواجهتها.

 وهكذا يبدو الأمر، في ظل هذا الكم الكبير من الكتابات والتقارير والتقديرات التي تحذر من الطائفية، وتتحدث عن "الخطر الشيعي"، وكأن المنطقة في طريقها إلى استعادة الصراع التاريخي المذهبي بين السنة والشيعة، الذي أوقع المسلمين في أتون "الفتنة الكبرى"، ولطخ وجه التاريخ الإسلامي بكثير من الدماء، لاسيما مع ظهور بعض الفتاوى والمواقف المتطرفة من هذا الطرف أو ذاك دون إدراك لما يمكن أن تقود إليه من كوارث داخلية وإقليمية.

 ولأن أخطر ما يمكن أن يواجه المنطقة هو الصراع المذهبي، الذي قد يؤدي إلى "تفجير" الإسلام من الداخل، وزعزعة المجتمعات المستقرة، وإحداث فوضى داخلية وإقليمية كبيرة، فإنه من المهم تحرير هذه القضية مما لحق ويلحق بها من التباس كبير وخطير يقود إلى أحكام خاطئة، ويصور الأمور على غير حقيقتها، ويضع السنة في حرب مذهبية مع الشيعة.

 إن الحديث عن صراع إقليمي مذهبي، شيعي- سني، يستند إلى عدة افتراضات خاطئة، أولها: أن الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة من العمق بحيث يمكن أن تمثل بذاتها أساساً للتكفير وإراقة الدماء بينهما، وثانيها: أن الشيعة في المنطقة كتلة واحدة بدون اختلاف وأن العرب منهم يوالون إيران أكثر مما يوالون دولهم وبالتالي يسهل اختراقهم من قبلها، وثالثها: أن الدفاع عن المذهب الشيعي هو المحرك الأساسي لسلوك إيران في المنطقة وليس مصالحها السياسية، ورابعها: أن السنة كتلة واحدة، وأنهم يهبون في مواجهة إيران خوفاً على المذهب السني ودفاعاً عنه بعيداً عن اعتبارات السياسة ومصالحها.

 إلا أن القراءة المتحررة من الأحكام المسبقة أو التعميمات المضللة،  تشير إلى أن ما يجري في المنطقة هو بالأساس صراع سياسي بين إيران وبعض حلفائها العرب من ناحية، والقوى العربية التي ترى في التمدد الإقليمي الإيراني في الشرق الأوسط خطراً على مصالح العرب وأمنهم القومي واستقرار مجتمعاتهم من ناحية أخرى. هذا الصراع تستخدم فيه الأبعاد الطائفية أو يتم استغلالها دون أن تكون عنصراً أصيلاً أو أساسياً من عناصره وأسبابه، فما يحرك كل شيء هو السياسة وتناقضاتها، وليست المذاهب وتبايناتها، هذا ما تؤكده وقائع التاريخ القريب في المنطقة، وتسانده معطيات الواقع وسياسات وتصرفات الأطراف المعنية.

 فالخلافات المذهبية بين السنة والشيعة، لا يمكن أن تنهض أساساً للتكفير المتبادل لأنها لا تتصل بأصل العقيدة، وإنما هي تباينات يمكن التعايش معها تحت راية الإسلام الجامعة، ولا تتأجج وتتصاعد إلا نتيجة لصراعات السياسة وتالياً لها وليس العكس، بل إن الأزهر في مصر يقر المذهب الجعفري الشيعي ويدرسه لطلبته ويجيز للسنة التعبد به. وكانت قد أنشئت في أربعينيات القرن الماضي دار للتقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة بمشاركة عدد من علماء الدين السنة والشيعة، وقطعت شوطاً كبيراً في توضيح الكثير من الأمور الملتبسة إلى أن توقفت بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وهناك دعوات لإعادة إحيائها من جديد لمواجهة خطر النار التي يتم النفخ فيها باستمرار وإصرار لتشعل العلاقة بين المذهبين وأتباعهما.

 كما أن الشيعة العرب ليسوا طابوراً خامساً يعمل لصالح إيران، وقد أثبتوا في مواقف عديدة أن انتماءهم الأول هو لبلادهم وليس لطهران، وهناك مثالان دالان بقوة في هذا الخصوص، الأول: يتعلق بشيعة البحرين الذين اختاروا الاستقلال وليس الانضمام إلى إيران في الاستفتاء الذي أجري تحت إشراف الأمم المتحدة في السبعينيات حينما طالبت إيران الشاه بضم البحرين إليها، وكان بإمكانهم أن يختاروا العكس، أما المثال الثاني فيتعلق بشيعة العراق الذين مثلوا، بحكم أكثريتهم العديدة، غالبية الجيش العراقي الذي خاض حرب السنوات الثماني ودافعوا عن بلادهم في مواجهة إيران الشيعية. فضلاً عن ذلك فإن الشيعة العرب يخالفون الشيعة الإيرانيين في مبدأ ولاية الفقيه الذي يمثل عماد نظرية الحكم في إيران، ويختلفون فيما بينهم سياسياً كما هو حادث في العراق بين المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي تعاون مع الاحتلال الأمريكي والتيار الصدري الذي اصطدم به ويطالب برحيله على الفور، وكما هو الحال كذلك في لبنان بين حركة أمل وحزب الله، ومثلما أن هناك شيعة عرباً إسلاميين ربما يشتركون مع إيران في بعض الأمور، فان هناك شيعة علمانيين لا يؤمنون بدور للدين في السياسة أو المجتمع.

 أما بالنسبة إلى إيران، فإنها لا تهتم بالشيعة العرب إلا من منطلق سياسي بحت يهدف إلى استثمار تشابه المذهب في تحقيق أهداف سياسية، وما يؤكد ذلك أن إشكالية العلاقة بينها وبين الشيعة العرب لم تظهر بهذا الإلحاح إلا بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وهذه الثورة كانت مشروعاً سياسياً في المقام الأول وليست مشروعاً دينياً أو طائفياً، إلا أن قادتها حاولوا استغلال المذهب في سعيهم إلى تصديرها للدول المجاورة، كما أنهم عملوا على استثمار تعاطف التيارات الدينية العربية معهم وأسسوا علاقات قوية معها دون النظر لكونها سنية أو شيعية؛ حيث كان من بين أسباب التوتر الذي لحق بعلاقات إيران ومصر بعد الثورة، ما أشيع عن علاقات بين طهران والإسلاميين المصرين، السنة بالطبع.

 ومنذ الثورة وحتى الآن، فإن تدخل إيران في الشؤون الداخلية لبعض الدول الخليجية المجاورة وعلاقاتها بالأقليات الشيعية فيها، لا ينطلق من منطلق مذهبي وإنما من محاولة استثمار المذهب في توسيع النفوذ السياسي وممارسة الضغط على الدول المجاورة وامتلاك أوراق للعب في مواجهتها. كما أن التدخل الإيراني في العراق هو في الأساس للدفاع عن مصالحها ودفع الولايات المتحدة للغوص في المستنقع العراقي حتى تتشتت جهودها وتصبح غير قادرة على التحرك ضدها، وليس للدفاع عن الشيعة العراقيين أو حمايتهم، لأن الصراع الطائفي الجاري على الساحة العراقية، والذي شاركت وتشارك إيران في صنعه والدفع إليه، يموت فيه السنة والشيعة على السواء. فضلاً عن ذلك فإن السياسة الخارجية الإيرانية بشكل عام تتميز بالبراجماتية التي لا تهتم إلا بالمصلحة دون النظر للاعتبارات المذهبية أو الدينية. وهنا يمكن الإشارة إلى أمرين؛ الأول: هو الدعم الذي تقدمه إيران لحركة حماس في فلسطين، وهي حركة سنية وليست شيعية، الأمر الثاني أنه في الوقت الذي تدعم فيه إيران الشيعة العراقيين الذين تحالفوا مع الاحتلال الأمريكي منذ البداية؛ لأنها كانت ترى أن إطاحة "صدام حسين" يحقق مصالحها، فإنها تساند حزب الله اللبناني الذي يعتبر أحد عقبات المشروع الأمريكي بخصوص الشرق الأوسط الكبير؛ لأنها ترى في هذا المشروع مساساً بمصالحها وأمنها القومي.

 على الجانب الأخر، فإن دعم العرب للسنة في العراق أو لبنان، لا يستند إلى خوف على المذهب السني من زحف شيعي إيراني، بقدر ما يصدر عن قلق سياسي من اتساع نفوذ إيران في المنطقة، والخوف من تأثيرات سلبية داخلية للصعود السياسي والعسكري للشيعة على مسرح الشرق الأوسط، خاصة بالنسبة للدول التي بها أقليات شيعية. كما أن القلق من إيران وطموحاتها النووية ومشروعاتها للهيمنة الإقليمية وتدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، وهو قلق مشروع له مبرراته العديدة،  يلعب دوراً كبير في إثارة قضية الصراع السني-الشيعي أو الحديث عن هلال شيعي في المنطقة، على الرغم من أن بعض الدراسات تنفي إمكانية قيام هذا الهلال ومنها دراسة لنواف عبيد مدير مشروع تقويم الأمن الوطني السعودي (الرياض قالت إنها أقالته بعد حديثه عن تهديد السعودية بالتدخل لدعم السنة في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية منه)، أثبتت أن تكوين هذا الهلال الشيعي هو أمر غير ممكن لاعتبارات ديموغرافية واقتصادية وعسكرية تتعلق بعدد الشيعة في المنطقة مقارنة بأعداد السنة، والإمكانات الإيرانية التي لا تتناسب مع أي طموحات لها في هذا الخصوص.

 ولعل التحول الذي لحق بمواقف بعض الدول العربية السنية من حزب الله اللبناني في مواجهته مع إسرائيل، إنما يقدم دليلاً واضحاً على استغلال السياسة للاعتبارات المذهبية وتطويعها بما يحقق أهدافها، فقد وقف العرب خلف حزب الله بقوة على مدى سنين حربه مع إسرائيل حتى انسحابها عام 2000 من جنوب لبنان، ولم يتحدث أحد، خلال كل هذه السنوات، عن الحزب باعتباره من "الروافض" الذين لا يجوز دعمهم، ولكن حينما تغيرت معطيات السياسة، وأصبح ينظر إلى حزب الله على أنه ذراع لإيران في المنطقة، وقفت دول عربية ضده في حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان،  وتذكر بعض رجال الدين السنة "فجأة "أنه حزب شيعي، فأصدر بعضهم فتاوى لا تجيز مساندته، حتى لو في مواجهة إسرائيل، لأنه "شيعي"!! وهذا دفع البعض إلى القول بأن أولويات الصراعات في المنطقة قد تغيرت، بحيث أصبح الصراع الشيعي-السني مقدماً على الصراع العربي-الإسرائيلي، وهذا ما يوضح الطابع السياسي وليس المذهبي لكل ما يجري؛ لأنه لا يمكن أن تكون التباينات بين السنة والشيعة أكثر خطراً وأشد اتساعاً من تلك التي بين العرب وإسرائيل.

 هذا بالطبع لا ينفي دور المتطرفين، على الجانبين السني والشيعي، في إذكاء العداء وتشويه الصور المتبادلة، وبالتالي التأثير على آراء العامة وتوجهاتهم، مثلما يحدث في العراق من قبل تنظيم القاعدة الذي يبيح قتل الشيعة ويصفهم بالروافض، أو من قبل متطرفين شيعة يبيحون قتل السنة وتهديم مساجدهم، إلا أن هؤلاء المتطرفين، رغم ما يسببونه من خطر، هم أقلية ولا يمثلون توجهاً عاماً يمكن أن يحول مسار الأحداث في العلاقة بين السنة والشيعة، وتقع مسؤولية مواجهتهم على تيار الاعتدال، الذي يستطيع أن يوقف هذا الانجراف الخطير نحو هاوية الصدام المذهبي المدمر، فهذا هو الوقت الذي يجب أن يعلو فيه صوت هذا التيار من أجل توضيح الصورة الصحيحة ومحاربة الصور المشوهة التي ترسخت في أذهان كل طرف عن الآخر على مدى فترات تاريخية طويلة، مما جعل من السهل على البعض استدعاءها وتوظيفها سياسياً خلال السنوات الأخيرة. ومن المهم كذلك ألا يترك دعاة التقريب والاعتدال الساحة للمتطرفين لشحنها بأفكار خاطئة وتسميم عقول العامة ودفعهم إلى استحلال دماء بعضهم البعض؛ لأن الأمر خطير ولا يمتلك كل قادر على نزع فتيل الانفجار رفاهية الانتظار أو التأني. 

 وأخيراً، فإنه إذا كانت صراعات المنطقة سياسية بالأساس، فإن البحث عن تسويتها يجب أن يبدأ وينتهي بالسياسة دون التورط في استدعاء الاعتبارات المذهبية؛ لأن في ذلك لعباً بالنار التي قد تحرق الجميع.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات