الحرب تنتقل إلى داخل لبنان

عبدالوهاب بدرخان: الحرب تنتقل إلى داخل لبنان

  • 19 أغسطس 2006

كان المشهد مستفزاً ومحبطاً ذلك المساء في قاعة مجلس الأمن الدولي، بعد مرور شهر كامل طويل على الحرب المجنونة في لبنان. حفنة من وزراء الدول الكبرى جاؤوا إلى جلسة يفترض أنها تاريخية، ولا شيء يؤكد تاريخيتها هذه؛ فالقرار المقترح يطمح إلى وقف لإطلاق النار ولا يجرؤ على المطالبة به، يوحي بأنه يؤسس لحل سياسي دائم لكنه يقصّر عن تحديد نهاية معينة للحرب، ويشير إلى الحاجة لحل شامل لقضية الشرق الأوسط إلا أن القرار لا يقنع أحداً بأن مندوبي الدول الـ 15 التقوا ليقرروا أن صفحة جديدة ستفتح في المنطقة.

قد يتم التوصل إلى هدنة ما في هذه الحرب، إنما يصعب القول إنها انتهت أو ستنتهي، ولا حتى بانتشار الجيش اللبناني في الجنوب أو بانتشار الأعداد الجديدة من قوات الطوارئ الدولية (يونيفل). هذه مجرد مرحلة، المرحلة التالية قد لا تكون وشيكة لكنها ستكون أكثر صعوبة خصوصاً بالنسبة إلى لبنان، أولاً لأن الأطراف المتلاعبة بأمنه (الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، سوريا وإيران من جهة أخرى) لم تخض معركتها الحاسمة في هذه الحرب، وثانياً لأن المرحلة التالية ستدور فوق الجروح اللبنانية المفتوحة (الدمار الكبير، الاقتصاد الضعيف، مئات آلاف المشردين والنازحين، والتماسك السياسي الهش).

لم يكن القرار الدولي 1701 متوازناً ولا جريئاً، وجاء مفعماً بالغموض والثغرات، بدليل أن الأطراف المعنية لم تتردد في الإفصاح خلال جلسة إقراره بتفسيراتها المطاطة لبنوده. لا شك في أن الولايات المتحدة عاندت أي وضوح ولم تشأ لمؤسسة الشرعية الدولية أن تستخدم لغة رادعة إلا في اتجاه واحد من دون الآخر. كما أن الولايات المتحدة أصرّت على أن يترك القرار هذه الحرب مفتوحة إفساحاً في المجال أمام "إنجاز" إسرائيلي عسكري بذريعة "الدفاع عن النفس".

فالقرار يتعامل ضمناً مع رغبة إسرائيلية معلنة بأن تكون المنطقة الممتدة من الخط الأزرق (الحدود) حتى مجرى نهر الليطاني شمالاً وكأنها منطقة تحتلها إسرائيل، ولو أنها لم تتمكن من احتلالها، وبالتالي فهو يطلب انتشاراً للجيش اللبناني فيها بعد أن "يتسلمها" من الجيش الإسرائيلي بالتنسيق مع قوات الـ "يونيفيل). وإذ يتطلب وصول هذه القوات نحو عشرة أيام، يمكن التكهن بأن الوضع الميداني خلال هذه الأيام العشرة سيكون وضعاً حربياً بامتياز بل وضعاً مفتوحاً على كل الاحتمالات، حتى لو كان هناك وقف معلن لإطلاق النار. لكنه وقف من دون ضوابط ولا روادع. لذلك ستنتهز إسرائيل هذا الوقت الضائع لتسجيل مكاسب على أرض تمكنها من التحدث عن إحراز "نصر" ما، ومن الطبيعي أن تتصدى مقاومة "حزب الله" للإسرائيليين لمنعهم من إحداث أي تغيير على الأرض.

هذه ليست المرة الأولى التي يشهد فيها جنوب لبنان مثل هذه الحال المتأرجحة بين تهادف وتقاتل. بل إن فترات الغموض كهذه هي التي تستخدم لبلورة المواجهة التالية. ولعل الهدنة التي قبلتها الولايات المتحدة بعد شهر من التعنت تهدف خصوصاً إلى اختبار مفاعيل الحرب على الوضع الداخلي اللبناني. فبيروت ستجد نفسها، على افتراض حصول وقف ثابت لإطلاق النار وللعمليات الحربية، أمام استحقاقات صعبة وهائلة. وعلى رغم أن المجتمع الدولي تفهم أولويات الحكومة اللبنانية واعترف بها في طيات القرار 1701، إلا أن الأولويات الدولية خصوصاً الأمريكية?الإسرائيلية مختلفة. فمن البديهي أن يركز اللبنانيون على إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وأن يستعجلوا المساعدات الدولية على أمل أن تساهم في تعزيز الاستقرار الداخلي. أما الأمريكيون والإسرائيليون فيعتبرون أن الأولوية يجب أن تـُعطى لنزع سلاح "حزب الله"، وبالتالي فإنهم سيعرقلون كل شيء، وبالأخص المساعدات المرتقبة والحيوية.

ينبغي التذكير بأن هذه الحرب اندلعت بعد انقضاء المهلة التي حددها الأمريكيون للأطراف اللبنانية للتوصل إلى نزع سلاح "حزب الله" بتوافق داخلي. لم يكن خطف الجنديين الإسرائيليين سوى عملية استباقية قام بها "حزب الله" للتخلص من تلك المهلة?التهديد. ولا يخفي العديد من السياسيين اللبنانيين أن الإنذارات الأمريكية صارت في الفترة التي سبقت الحرب أكثر استعجالاً وفظاظة. لكن نزع سلاح "حزب الله" تبدى خلال جلسات الحوار الوطني اللبناني أنه ليس خياراً لبنانياً فحسب وإنما هو خيار استراتيجي إقليمي. وبعد النجاح الذي أحرزه هذا السلاح في الحرب، فإن بُعده الإقليمي، السوري?الإيراني، مرشح لأن يزداد إصراراً على التمسك بـ "المقاومة"، كما أن الدعم الداخلي اللبناني لهذا البُعد الإقليمي سيتعمق ويزداد صلابة بل ليس مستبعداً أن يصبح أكثر شراسة مع استمرار التسلح وانبثاق بؤر تطرف مستوحاة من تنظيم "القاعدة".

يراهن الأمريكيون والإسرائيليون في المرحلة المقبلة على حراك مثلث الاتجاهات: الأول، انتقال المشكلة إلى داخل لبنان بما يعنيه ذلك من احتمالات سيئة للدولة ومؤسساتها وللاقتصاد وطموحاته. والثاني، إحداث بلبلة في التحالف السوري?الإيراني ومؤيديه في لبنان. والثالث، مواصلة إسرائيل عملياتها العلنية والسرية لتأجيج الصراعات في لبنان وذلك على خلفية الأزمة الاجتماعية والمعيشية التي زرعتها القنابل والمجازر الإسرائيلية خلال هذه الحرب. وما يهم الأمريكيين والإسرائيليين هو أن تجري تلك الصراعات بعيداً عن الحدود اللبنانية?الإسرائيلية، لذلك كان الإصرار على قوات دولية وفقاً للبند السابع لضمان قدرتها على القتال والردع والتدخل والمطاردة. وعلى رغم تعذر التوافق على قوات بمثل هذه المواصفات، إلا أن وجود قوات طوارئ بموجب الفصل السادس يعني ، بالنسبة إلى الأمريكيين والإسرائيليين، أن إسرائيل ستكون قادرة على مواصلة رقابتها وتدخلها عند اللزوم، خصوصاً إذا حصلت اختراقات لخط الهدنة.

طبعاً، تستدعي الحكمة أن يُصار إلى إقفال الملف الحدودي بين لبنان وإسرائيل، أي تحديداً بإيجاد حل لقضية مزارع شبعا المحتلة، فضلاً عن حل قضية الأسرى اللبنانيين. صحيح أن القرار 1701 يشير إلى مثل هذا الخيار إلا أنه لم يكن واضحاً وحاسماً. فالمجتمع الدولي فقد القدرة على استشراف حلول بعيدة المدى، وفي هذه الحال بالذات يرفض الأمريكيون والإسرائيليون أي خطوات يمكن أن تعتبر مكاسب لـ "حزب الله" حتى لو كانت هذه مكاسب للدولة أو حتى للحكومة اللبنانية التي يُبدي الأمريكيون حرصاً دائماً على دعمها إلا أنهم يساهمون في إضعاف هذه الحكومة ولا يتوانون عن خذلانها أياً كانت المخاطر المحدقة بها. وإذ لم يبق للبنانيين سوى هذه الحكومة يلتفون حولها فإنهم باتوا متيقنين أكثر فأكثر أن بلدهم أقحم مجداً وتكراراً في صراعات إقليمية?دولية لن تحسم إلا مع حسم الملف النووي الإيراني وحسم الوضع السوري وحسم المسألة الفلسطينية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات