التنوع الثقافي وصراع الحضارات

  • 13 يونيو 2005

في ظل الدعوات إلى حوار الحضارات وتكاملها وتفاعلها في مواجهة دعوات ونظريات الصراع والصدام التي ظهرت مؤخرا، تأتي أهمية مشروع "معاهدة حماية وتشجيع التنوع الثقافي" الذي أعدته منظمة التربية والثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة "اليونسكو" وبدأ ممثلو أكثر من سبعين دولة في العالم مناقشته في إسبانيا يوم السبت الماضي، حيث تأمل الأطراف المؤيدة لهذا المشروع في إقراره كمعاهدة عالمية في المؤتمر المقبل لليونسكو في أكتوبر المقبل. حيث يؤكد المشروع أن الثقافة يجب ألا تعامل مثلها مثل السلع أو المنتجات الأخرى الزراعية أو الصناعية التي تحكمها قواعد "منظمة التجارة العالمية"، وبالتالي يحق للدول المختلفة تقديم الدعم الذي من شأنه أن يحافظ على هوياتها الثقافية وتراثها الحضاري الخاص.

لا شك في أن العولمة قد حولت العالم إلى ما يشبه القرية الواحدة بفضل ثورة الاتصالات التي أزالت الحدود والحواجز بين المجتمعات المختلفة، وأصبح من الممكن الحديث عن عولمة اقتصادية أو سياسية أو إعلامية، إلا أن الحديث عن "عولمة ثقافية" بمعنى سيادة ثقافة واحدة في العالم وانزواء ما عداها من ثقافات محلية يجب أن يتم التعامل معه بقدر كبير من الحذر والحيطة، لأن العولمة لا تعني القضاء على الخصوصيات الثقافية والحضارية للدول والشعوب المختلفة بل أنها من المفترض أن توفر مجالا أوسع للحوار المتكافئ بين الثقافات من خلال إزالة الحواجز وثورة الاتصالات التي أتاحت لشعوب العالم الانفتاح على بعضها بعضا، وهذا من شأنه أن يحدث التقارب ويقضي على ثقافة "الجيتو" لدى البعض كما أن من شأنه أن يتغلب على أي سوء فهم أو انطباعات مسبقة لدى أصحاب بعض الحضارات عن الحضارات الأخرى. لا شك في أن هناك عناصر لثقافة عالمية تتضمن القيم الأخلاقية والاجتماعية التي لا خلاف حولها، ولكن يبقى لكل حضارة أو ثقافة طابعها الخاص الذي تشكله البيئة التي توجد بها، وتجاهل هذه الحقيقة هو الذي يسبب الكثير من المشاكل والاحتقانات خاصة إذا تعلق الأمر بقيم وشرائع دينية كما يحدث في التعاطي مع قضية حقوق الإنسان على سبيل المثال، حيث يعتبر الشذوذ الجنسي حقا من هذه الحقوق في بعض المجتمعات، إلا أنه يعتبر مخالفا للدين والتقاليد في مجتمعات أخرى.

إن الحديث عن حوار بين الحضارات يعني وجود ثقافات مختلفة ومتباينة لأن التنوع هو أساس أي حوار جاد وفاعل ودافع إليه في الوقت نفسه، ولا شك في أن للمؤسسات الدولية الثقافية المعنية بهذه القضية وفي مقدمتها "منظمة اليونسكو" دورها الحيوي في هذا الخصوص ممثلا في تعميق الوعي بأهمية التنوع الثقافي، واعتباره سببا للحوار والتفاعل ومصدر ثراء للحضارات في الماضي والحاضر والمستقبل، ومصدر دعم لها في مواجهة التحديات التي تواجه العالم على مستويات مختلفة وليس مصدر ضعف أو سببا للصراع.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات