التقديرات الإسرائيلية حول الحرب المقبلة

إبراهيم عبدالكريم: التقديرات الإسرائيلية حول الحرب المقبلة

  • 14 يناير 2007

تشربت الذهنية الإسرائيلية، لاعتبارات صراعية، مفاهيم خاصة، تعبِّر عنها بصورة واضحة أغنية عبرية شاعت منذ نحو أربعة عقود، جاء في أحد مقاطعها: "الحرب القادمة ننشئها ونربيها بين حجرات نومنا وحجرات الأولاد".. واليوم، يستبطن الإسرائيليون، على مستويي الزعامة والشارع، سواء بحكم الأمر الواقع أم بخيارات متعمّدة، المفاهيم ذاتها، ملخَّصةً بعبارة "الحرب على الأبواب"، التي تتردد على ألسنتهم منذ توقف الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في الصيف الماضي، فخلافاً للحذر الذي اتبعه الزعماء السابقون للدولة العبرية، يحذر الزعماء الحاليون من الحرب وكأنها أمر وشيك الوقوع، في الوقت الذي تكونت فيه انطباعات عامة في صفوف الجيش والمواطنين بأن الدولة تسير على طريق الحرب القادمة.

  ويتضح من مطالعة التقارير الإسرائيلية التي تنشر حول ذلك الأمر، أن هناك تحضيرات حثيثة لأداء "رقصة الحرب" على إيقاع متعدد النغمات، يبدأ بالثأر للإخفاقات في مواجهة حزب الله، التي أحدثت صدمة شديدة في إسرائيل، ويمرّ بمحاولة ترميم ما يسمى "قدرة الردع الإسرائيلية"، وينتهي بخوض معركة مفتوحة يتم التخطيط لتحديد مكانها وزمانها.

 وعلى أرضية هذه القناعة بإمكانية نشوب حرب مستقبلية، تمت ترجمة التوقعات إلى استعدادات في مجالات التدريب والتسلح وامتلاك التجهيزات وتهيئة الجبهة الداخلية لهذه الحرب. وفي إطار هذه الاستعدادات، تعتزم هيئة الأركان الإسرائيلية، القيام بطرح خطة العمل الجديدة للجيش (بعنوان "جاهزية واستعداد") والتي أعدتها في ضوء دروس حرب لبنان. وحسب المعلومات المنشورة عنها، ستكون هذه الخطة بمثابة "إعادة شحن"، تقترح تغييراً جوهرياً في برنامج التدريب والإعداد العسكري ونظام الاحتياط. كما يخطط الجيش الإسرائيلي لزيادة تدريب وحداته النظامية ووحدات الاحتياط (نصفها بالذخيرة الحية) عام 2007 بأكثر من 30% بالمقارنة مع السنوات الأخيرة، وسيتجسد التغيير المركزي بأن 80% من جنود الاحتياط القتالي سيجندون للخدمة الاحتياطية، بحيث يكون كل مقاتل احتياط في وحدة ميدانية ملزماً بخدمة شهر على الأقل في السنة، وهو ما لم يحدث منذ سنوات طويلة. وفيما طلب وزير الدفاع "عامير بيرتس" إعداد برامج التدريب بسرعة، مع التركيز على نموذج العمل في جنوب لبنان (مناطق مزدحمة، وخنادق وبيوت تحتوي على منصات لإطلاق صواريخ الكاتيوشا والصواريخ المضادة للدبابات..إلخ)، بدأت ألوية من سلاح المشاة الاحتياطية التابعة لقيادة المنطقة الشمالية إجراء تدريبات خاصة لتأهيلها للحرب القادمة في لبنان، من خلال إعداد الجنود للقتال في ظروف صعبة في المناطق الحرجية والجبلية. كما بدأت وحدات أخرى مختلفة، من بينها سلاح الجو والاستخبارات، يستعدون بصورة مكثفة لهذه الحرب المحتملة. وانسجاماً مع التقدير المتزايد لاحتمالات نشوب الحرب وضرورة تحديد فترة معينة لاستكمال التجهيزات ومخزون الأسلحة، أصدر وزير الدفاع "بيرتس" تعليمات بملء مخازن الطوارئ والوحدات العسكرية ذاتها فوراً.

 وعلى الرغم من ضخامة الاستعدادات في الجيش الإسرائيلي للحرب المقبلة، إلا أن هناك قلقاً يساور الإسرائيليين، بعد تحذير قائد الجبهة الداخلية "غرشون يتسحاق" من أن هذه الجبهة غير مستعدة بالشكل المناسب لحرب إضافية؛ إذ لا يجد لحوالي مليوني نسمة ملجأ قريب، ولا توجد للملايين الأخرى من السكان أقنعة واقية صالحة للاستخدام. يضاف إلى ذلك، معطى في غاية الخطورة يتمثل ببدء عملية جمع نظم وسائل الأمن العامة من بيوت السكان في إسرائيل، وهي عملية مخطط لها أن تستمر سنتين، وفي نهايتها ستوضع هذه النظم في مستودعات رئيسة. وهكذا، سيكون الجيش الإسرائيلي مستعداً للحرب، لكن الجبهة الداخلية ستظل بلا معدات حماية أساسية.

 وبخصوص الساحة المرشحة للحرب المقبلة، تأخذ الاستعدادات الإسرائيلية لهذه الحرب بعين الاعتبار احتمال المواجهة في أربع جبهات رئيسة؛ مع الفلسطينيين (حرب "منخفضة القوة")، ومع حزب الله، وسورية، والمشروع النووي الإيراني.. إلى جانب توقع مفاجأة في نهاية عهد الرئيس مبارك (مع احتمال سيطرة الإخوان المسلمين على السلطة في مصر)، وأخيراً مع "تسونامي إسلامي" شامل. وتساق في هذا المنحى دلائل عسكرية (تأهب وتسلح) وسياسية(تصريحات ومواقف) ومصيرية(نووية) تحتم اندلاع الحرب، إلا أن الدوائر العسكرية والسياسية الإسرائيلية لا تتفق على تحديد جبهة بعينها، بل إن خطر اشتعال الحرب يمكن أن يشمل جبهات عدة في آن واحد.

 وفي الحديث الإسرائيلي عن الحرب المقبلة، يجري توصيف "التحدي القائم" بطريقة تنمّ عن إدراك حتمية هذه الحرب. فعلى جبهة الشمال، يلاحظ الإسرائيليون أن الوضع الذي تم الاتفاق عليه في نهاية الحرب مع حزب الله سيبقي التوتر قائماً على الحدود. ويقف الإسرائيليون بقلق عند معلومات استخبارية لهم تفيد أن حزب الله أعاد بناء نحو نصف قوته العسكرية التي كان يمتلكها عشية نشوب حرب لبنان الثانية.

 وبشأن التوقيت، تكاد التقارير الإسرائيلية تجمع على أن الطريق إلى الحرب القادمة ليست طويلة، لكن أحداً لا يعرف متى ستندلع هذه الحرب، ومن الذي سيبدأ بشنها. فقد صرح وزير البنى التحتية "بنيامين بن إليعيزر" أنه من الممكن أن تقع حرب أخرى في لبنان خلال أشهر عدة؛ لأن "التسوية التي تم التوصل إليها في المنطقة لن تصمد، ولأن حزب الله سيستمر في تعزيز قدراته من خلف ظهر الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية". وفي هيئة الأركان الإسرائيلية جرت سلسلة مداولات أدت إلى استخلاص نتيجة مفادها أن سورية وحزب الله قد يشنان الحرب على إسرائيل في صيف 2007. ويسود افتراض في الجيش يقول إن التأهب للحرب مع حزب الله، وربما مع سورية، يحدد موعداً شبه مؤكد لها هو في صيف 2007، وهو ما أكده نائب رئيس هيئة الأركان "موشيه كابلنسكي" مشيراً إلى أنه يتوقع اندلاع الحرب في هذا التوقيت. لكن هناك تقديراً يفوق تداوله ماعداه، أعدته شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، يتلخص بأن حزب الله يرغب حالياً في الحصول على فترة من الهدوء ليعيد بناء نفسه مجدداً، وسيكون مستعداً في غضون عام لشن حرب جديدة على إسرائيل، وربما تندلع هذه الحرب في توقيت مبكر عن ذلك، إذا تعرضت إيران أو سورية لهجوم من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة.

 وفي تقليب مسألة الحرب المقبلة على مختلف وجوهها، نجد أن ثمة تحسُّباً إسرائيلياً ملحوظاً للموقف الأمريكي، على نحو يفهم منه أن إسرائيل ينبغي أن تراعي ظروف إدارة الرئيس بوش الداخلية وتوجهاتها ومشكلاتها الخارجية، في ظل التأثير المباشر لساحة الحرب المقبلة على الاستراتيجية التحالفية بين البلدين، وعلى علاقات واشنطن مع القوى الإقليمية والدولية.

 وحول النتيجة المتصورة للحرب المقبلة، يفكر الإسرائيليون بهذه النتيجة ضمن وضعية تتجه أنظارهم فيها إلى نتائج الحروب السابقة، وضمناً إلى الإخفاق في الانتصار على حزب الله. ويرون أنه إذا خاض جيشهم حرباً أخرى في المستقبل القريب بأساليب الزعامة السياسية والعسكرية الإسرائيلية الحالية فستكون النتيجة إخفاقاً آخر، بل ويعتقدون أنه يمكن أن تدخل بلادهم في حرب أشد قسوة من تلك التي قادتها هذه الزعامة. وفي ظل الإصرار والرغبة في ألا تنتهي الحرب القادمة بلا حسم مرة أخرى، يؤكد المتخصصون العسكريون الإسرائيليون ضرورة أن تشمل هذه الحرب دخولاً كثيفاً إلى "عمق العدو"، والاستعداد لدفع الثمن المترتب على ذلك، وإعطاء عنصر الميدان والعمق الاستراتيجي الوزن المناسب.

 إلى هنا تظهر مسألة الحرب المقبلة، في المنظور الإسرائيلي، كما لو أنها حتمية الوقوع. فهل هذا احتمال واقعي؟.. إن أي إجابة على ذلك معنية بألا تتجاهل حالة يكون فيها الحديث الإسرائيلي عن هذه الحرب محاولة لفتح مسرب لعملية السلام، بهدف إخراج إسرائيل من مأزقها الراهن، أو على الأقل لجمع المزيد من عناصر القوة الذاتية وصياغة علاقات استراتيجية مع المحيط العربي تتيح لإسرائيل التفرغ لما تسميه "الخطر النووي الإيراني". وبوجه عام، من المتعذر على المتابع معرفة إذا ما كانت دعوات الحرب الصادرة عن الحكومة وهيئة الأركان في إسرائيل خطوات تكتيكية فقط أم أنها تعبر عن خطط عمل لحرب فعلية. وبعبارات أخرى، من الصعب التمييز بين استعداد الجيش الإسرائيلي مجدداً لحرب كضرورة لا مناص منها، وبين خطوات أو تصريحات ترمي إلى تحقيق أهداف سياسية بالأساس(الردع مثلاً) أو اقتصادية(زيادة ميزانية الدفاع)، أو حتى شخصية(ستر العورات)، أو أنها مجرد "تساهل في الضغط على الزناد".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات