التدخلات الخارجية تدفع ليبيا نحو الشرذمة واستمرار الفوضى

  • 7 يوليو 2020

تدفع التدخلات الخارجية، في الشأن الليبي، الوضع في هذا البلد المضطرب منذ أكثر من 9 سنوات نحو المزيد من التأزيم، وتفتح المجال أمام المزيد من السيناريوهات التي لا تصبُّ في مجملها في مصلحة الليبيين، ولا في مصلحة استقرار بلادهم وعودة القانون والنظام إليها، بل تتسبب في المزيد من الإزهاق لأرواحهم، والهدر والتبديد لمقدراتهم وثرواتهم.

منذ توقيع اتفاق الصخيرات في المغرب عام 2015، الذي تمَّ برعاية أممية وبمشاركة أطراف الصراع كلها، وليبيا تعيش ما بين كرّ وفرّ؛ إذ لا يكاد يوقع اتفاق أو يعلَن وقف لإطلاق النار، إلا وتصدر شهادات خرقه، ومن ثمَّ فشله، قبل أن يجف الحبر الذي كتب ووقّع به، لتعود الأطراف كلُّها إلى نقطة البداية، وتدخل مرحلة صراع جديدة في معركة استنزاف طويلة الأمد لا منتصر فيها ولا مجال لحسمها؛ نظراً إلى أن كل طرف فيها يستند إلى داعم خارجي يضمن استمرار تدفق السلاح عليه، وكذلك الرجال عندما يلزم الأمر.

وعلى الرغم من أن اتفاق الصخيرات، الذي نصَّ على إنهاء الحرب الأهلية الليبية وإيجاد تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة وفق سلسلة من الخطوات تبدأ بمرحلة انتقالية تكلَّف الحكومة خلالها إنجاز عملية الانتقال السياسي، شكَّل إطاراً عاماً مناسباً وقابلاً للتنفيذ، ويمكن في حالة التعامل معه بانفتاح وإرادة ليبية مطلقة أن يقود إلى الخروج من المأزق الحالي الذي يتسبب في تعميق حالة الانقسام والتشرذم حتى في أوساط الشعب الليبي، فإن التشدد في المواقف والآراء والتدخلات الخارجية جعلته جزءاً من الماضي الذي تجاوزه الزمن، خصوصاً بعد أن ذهبت الأطراف المتنازعة نحو جولات ومؤتمرات ومفاوضات واتفاقات جديدة تهدف كلُّها إلى التوصل إلى نسخة قد تكون مطورة أو معدَّلة من الاتفاق المذكور.

ويشير واقع ليبيا حالياً إلى ما يمكن تشبيهه بحالة الحرب بالوكالة التي تخوضها الأطراف المتصارعة، كلّ منها تحت شعار الدفاع عن الشرعية وحماية الشعب الليبي وتحرير الأرض التي يسيطر عليها الطرف الآخر، في حين ينفذ كلٌّ منها، بإدراكه أو من غير ذلك، أجندات ترتبط على نحو متفاوت بمصالح ورغبات ونزعات دول أخرى، وهو الأمر الذي يزيد من مخاطر الموقف، ويفتح المجال أمام مشروعات قد تدفع باتجاه تقسيم البلاد، وتحويلها إلى كيانات تابعة، كل للطرف أو الدولة التي قدَّمت إليه الدعم والرعاية، وأخرى باتجاه استمرار الفوضى والصراع للمحافظة على مكتسباتها من مسوّغات التدخل، وتمكينها من الاحتفاظ بمواطئ الأقدام التي حازتها لتعزيز نفوذها في المنطقة، والفوز بحصة من كعكة الثروة الليبية التي باتت محطَّ أنظار وأطماع الكثير من الدول في شرق العالم وغربه.

والمتابعون للشأن الليبي يؤكدون أن تدخل القوى الأجنبية، المتمثلة في تركيا وروسيا ثم فرنسا، التي دخلت بثقلها على خط الأزمة مؤخراً، فتح الباب على مصراعيه لصراع دولي أوسع على الأرض الليبية يسهم في استمرار تدهور الوضع هناك، ويغرق البلاد في مزيد من الفوضى، ويبعد المشهد الليبي أكثر عن أفق الحل السياسي؛ ذلك أن استمرار تدفق العتاد والمقاتلين، ومواصلة التحريض والتسخين من قبل الطرفين، سيقودان إلى فشل سياسي يدفع نحو توسيع نطاق الصراع وامتداده إلى مواقع ومناطق أخرى ليسدَّ بالتالي الطريق أمام أي مبادرات سياسية.

وأمام هذه الخريطة المعقَّدة، التي يتداخل فيها الدولي بالإقليمي، وتتصارع فيها نزعات النفوذ، وتتعطَّل أدوار منظمات مهمة، في مقدمتها الأمم المتحدة التي عجزت حتى الآن عن طرح أي مبادرة أو تبني أي حل للصراع في ليبيا، وكذلك الاتحاد الأوروبي الذي تتنازع دول أعضاء فيه، في مقدمتها فرنسا وإيطاليا، النفوذ على الأرض الليبية، وغير ذلك من التناقضات، لا بد من حل ليبي يتشارك فيه الفرقاء في صياغة آلية للخروج من الواقع الحالي، أو حل عربي تخرج بموجبه الأطراف المتصارعة من المشهد بحيث تتاح الفرصة لوجوه وطنية جديدة تتخفف من أعباء العلاقات مع أطراف خارجية، ولا تحمل أي أجندات، ولا ترتبط بأي مصالح سوى مصلحة الشعب الليبي وإرادته ومستقبل أبنائه، بحيث تقدم رؤاها لحل يقبله الليبيون، ويلتقون عليه، ويلتفون حوله، يكون أساسه صون استقلالهم الوطني وإرادتهم الحرة ورفض التدخلات والإملاءات الخارجية، وعودة بلادهم إلى محيطها المغاربي وعمقها العربي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات