التحول السياسي في موريتانيا وأزمة الديمقراطية في العالم العربي

شحاتة محمد ناصر: التحول السياسي في موريتانيا وأزمة الديمقراطية في العالم العربي

  • 5 أبريل 2007

التطورات التي شهدتها موريتانيا منذ الانقلاب الذي قاده "ولد محمد فال" على الرئيس السابق "معاوية ولد محمد الطايع" في الثالث من أغسطس/آب 2005 وحتى الانتخابات الرئاسية في مارس/آذار2007، تثير لدى المراقب العربي مشاعر متضاربة من الانبهار والقلق. فهي في مدلولها الموريتاني  الخاص تعكس تجربة تحول سياسي كبيرة نقلت البلاد إلى حكم مدني ديمقراطي حقيقي بعد سنوات طويلة من الديكتاتورية وحكم العسكر، وجعلت من موريتانيا بقعة ضوء في محيط استعصى، في معظمه، وما زال، على كل موجات التغيير والإصلاح التي اجتاحت العالم على مدى العقود الماضية. ولكنها في مدلولها العربي العام تكشف عن بعض جوانب أزمة الديمقراطية العربية الحادة والمعقدة، خاصة فيما يتعلق بآليات التحول الديمقراطي وأنماطه المقبولة والمناسبة لواقع المجتمعات العربية.

فإذا كانت الانقلابات العسكرية العربية منذ انقلاب "حسني الزعيم" في سوريا عام 1949، وهو الانقلاب الأول في تاريخ الدولة العربية الحديثة، قد ارتبطت دائما بالحكم الفردي والاستبداد وتهميش الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني إن لم يكن بإلغائها وتحريمها، ، فإن انقلاب موريتانيا قدم نموذجا مختلفا، معيداً التذكير بانقلاب "عبد الرحمن سوار" الذهب في السودان عام 1985 الذي ترك السلطة طواعية للمدنيين المعنيين بالحكم والقادرين على تصريف أموره. وإذا كانت المنطقة العربية قد عرفت أنواعا مختلفة من الانقلابات منها الانقلابات الدموية والانقلابات البيضاء وانقلابات القصر وغيرها، فإن انقلاب موريتانيا كان نوعاً جديداً حتى أن بعض المراقبين سماه "الانقلاب الحميد" ليس فقط لأنه أنهى سنوات طويلة من الحكم الاستبدادي، وإنما أيضا لأنه فتح الطريق لتجربة ديمقراطية حقيقية توالت فصولها بدءاً من تعديل الدستور، ومروراً بالانتخابات التشريعية، وانتهاءً بانتخابات الرئاسة، بحيث يمكن القول إن هذا الانقلاب لم يعرف من سمات الانقلابات العسكرية سوى أن الجيش تدخل لإزاحة النظام الحاكم بالقوة، وفيما عدا ذلك فإن "ولد فال" قاد تجربة تحول سياسي تستحق الدراسة والتأمل العميقين على المستوى العربي.

فلم يحل "ولد فال" أو يلغي الأحزاب، كما يحدث دائماً بعد الانقلابات العسكرية، وإنما فتح المجال لمشاركة كل القوى السياسية في العملية الديمقراطية بما فيها تلك التي كانت محظورة في عهد النظام السابق مثل التيارات الإسلامية. ولم يلغ الدستور ويضع دستوراً جديداً بإرادة فردية، كما كان يحدث أيضاً دائماً بعد الانقلابات العربية، وإنما قام بتعديله من خلال هيئة خاصة شكلت لهذا الغرض وبما يتجاوب مع متطلبات التحول الديمقراطي وعبر التشاور مع الأحزاب والقوى السياسية المختلفة. ولم تتحول البلاد إلى ساحة لمحاكمات دموية لرموز النظام السابق وإنما كان الاهتمام من قبل "ولد فال" والمجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الذي شكله، بالمستقبل أكثر من الماضي حتى إنه سمح لحزب الرئيس السابق نفسه بخوض الانتخابات التشريعية. فضلاً عن ذلك فقد سمح للمعارضين في الخارج بالعودة إلى البلاد وأفرج عن المعتقلين ولم يهتم بملاحقة الرئيس السابق "ولد الطايع" أو محاولة إرجاعه ومحاكمته.

فضلا عن ذلك فقد وضع "ولد فال" برنامجاً زمنياً التزم بتطبيقه من أجل التأسيس للديمقراطية والحكم المدني، كانت الخطوة الأولى فيه تحديد فترة زمنية انتقالية مدتها سنتان يتم خلالها تسليم السلطة إلى المدنيين، تم تقليصها إلى 19 شهراً. وتمثلت الخطوة الثانية في تعديل الدستور، كما سبقت الإشارة، والاستفتاء عليه من قبل الشعب. وقد تضمنت التعديلات العديد من البنود المتقدمة التي تضع أسساً لحياة ديمقراطية حقيقية ومستقرة مثل تحديد فترة رئيس الدولة بمدتين فقط كل منهما خمس سنوات، بعد أن كانت ست سنوات بدون عدد محدد من المدد، كما نصت التعديلات على أن يكون سن رئيس الجمهورية بين 40 و 75 عاماً، وعلى أن يقسم عند تسلمه الحكم على عدم تغيير المادة الدستورية المتعلقة بفترة الرئاسة وعدد دوراتها،  ومنع الرئيس من تولي أي منصب حزبي كما كان الحال في السابق، وتحديد ما نسبته 20 في المائة من مقاعد البرلمان للنساء. أما الخطوة الثالثة فقد تمثلت في إجراء انتخابات تشريعية وبلدية، قالت عنها "ماري آن إيسلر بيجان" رئيسة بعثة المراقبة للاتحاد الأوروبي "إنها المرة الأولى التي يصوت فيها الموريتانيون بحرية وفي مناخ ديمقراطي". وقد شارك الإسلاميون في هذه الانتخابات وكذلك المعارضة المسلحة السابقة في المنفى التي أصبحت حزبا سياسيا. ثم جاءت الخطوة الأخيرة وتمثلت في انتخابات الرئاسة التي جرت في مارس/آذار 2007 وانتهت بانتخاب رئيس مدني للبلاد.

وفي ظل كل ذلك حرص "ولد فال" على أن يضع الضمانات الكافية لجدية التحول نحو الديمقراطية، وأهمها: إصدار قانون يحظر عليه هو شخصياً وكل أعضاء المجلس العسكري والمسؤولين في الدولة الترشح لأي انتخابات برلمانية أو رئاسية خلال الفترة الانتقالية، ولهذا فإن موريتانيا ربما كانت هي البلد الوحيد في العالم الذي شهد انتخابات تشريعية ورئاسية بدون مشاركة أهل الحكم فيها.

كل ما سبق يمثل الجانب المضيء من الصورة في إطارها الموريتاني الخاص، إلا إن لها جانباً آخر ليس كذلك إذا ما نظرنا إليها في إطارها العربي العام. فالتحول الديمقراطي في موريتانيا جاء عن طريق انقلاب عسكري، وهذا يعني أن العالم العربي قد أصبح مستعصياً على أساليب التحول السياسي الطبيعية، ولهذا تظهر الأساليب الاستثنائية لتطرح نفسها بكل ما تحمله من مخاطر ومشاكل. ولعل أخطر ما يمكن أن تفرزه التجربة الموريتانية، رغم كل جوانبها الإيجابية، من تأثير على الساحة العربية، أن يسود الاعتقاد، تحت وطأة اليأس، بأن تدخل الجيش يمكن أن يكون خياراً ممكناً، وربما وحيداً للتغيير في العالم العربي. وقد طرح بعض المراقبين، ومنهم خبراء عرب كبار في مجال العلوم السياسية، هذه الفكرة بالفعل مشيرين إلى أن المعارضة في أكثر من بلد عربي غير قادرة على تغيير الأوضاع السياسية بسبب ضعفها وتشرذمها قي مواجهة أنظمة الحكم القوية والمسيطرة، فيما تبقى الجيوش هي القوى الوحيدة التي تمتلك القدرة والتنظيم اللذان يمكنانها من تهديد النظم القائمة وتغييرها بالقوة في ظل رفضها لمبدأ التداول السلمي للسلطة.

والواقع أنه على الرغم من الدور التاريخي الذي قام به "ولد فال" وتجربة التحول الرائعة التي قادها مع الأقلية العسكرية المستنيرة التي ساعدته، إضافة إلى أفق التغيير السياسي المسدودة في العالم العربي، فإن هذا لا يمكن أن يكون مبرراً لاستدعاء الجيوش إلى ساحة العمل السياسي أو القبول بالانقلابات العسكرية ضمن آليات التغيير والإصلاح. فما حدث في السودان "سوار الذهب عام 1985"وفي موريتانيا "ولد فال عام 2005 "استثناءان لا يمكن القياس عليهما، وفي مقابل هذين النموذجين هناك عشرات الأمثلة في العالم العربي على ما سببته الانقلابات العسكرية من كوارث وما أنتجته من نظم حكم متخلفة وأحياناً صراعات أهلية مدمرة. كما أن تدخل الجيش في السياسة يمنعه من القيام بدوره الطبيعي في الدفاع عن حدود الوطن من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تتوافر لعناصره إمكانات ومؤهلات العمل السياسي، وبالتالي تكون النتيجة خسارة مزدوجة، عسكرية وسياسية، ولعل تجارب نظم الحكم العسكرية العربية تشير إلى هذا الأمر بوضوح؛ حيث تحولت الجيوش من حماية الحدود إلى حماية السلطة، ومن جهاز تملكه الأمة كلها إلى مؤسسة تابعة للسلطة أو الوجه الأخر لها. أخيراً فإن التغيير الذي تحدثه الانقلابات العسكرية وإن كان من النوع الذي يغري الناس بسبب جذريته وسرعته، فإنه ينتج، في الغالب، نماذج تغيير مشوهة وقسرية. 

 الجانب الآخر من أزمة الديمقراطية في العالم العربي الذي كشفت عنه تطورات الساحة الموريتانية خلال الفترة الماضية، هو أن الشعوب في كثير من الدول العربية قد أصبحت، في ظل الجمود السياسي المستحكم الذي تعيش في ظله،  مستعدة لتأييد أي بديل للسلطة القائمة مهما كانت طبيعتها وتوجهاتها. أي إن الرغبة في التغيير، بأي طريقة وأي ثمن، أصبحت تطغى على ما تتطلبه الديمقراطية الحقيقية من رشادة الاختيار وموضوعيته. فقد خرج الموريتانيون إلى الشوارع لتأييد انقلاب "ولد فال" لمجرد أنه أزاح النظام القديم دون أن تكون توجهات الانقلابيين الديمقراطية قد ظهرت أو تم الإعلان عنها. وهذا يندرج ضمن إطار عربي عام من اليأس من التغيير الذي يدفع إلى قبول أي بديل حتى لو جاء من الخارج أو على ظهر دبابة. وربما لو سارت الأمور في العراق كما كانت تريد الولايات المتحدة وتخطط، لاكتسب التدخل الخارجي كآلية للتغيير والإصلاح، مزيداً من التأييد على الساحة العربية بعد أن لاقت هذه الآلية تأييد البعض بالفعل حينما طرحت في غزو العراق عام 2003.

ما حدث في موريتانيا يكرس ظاهرة بدأت منذ سنوات، وهي أن العالم العربي ينشط نحو الديمقراطية من أطرافه، بينما يظل قلبه يعاني من التكلس والجمود. وهذا هو الجانب الثالث من جوانب أزمة الديمقراطية العربية الذي كشفت عنه التجربة الديمقراطية الموريتانية. فبالنظر إلى أن دول الاطراف العربية التي شهدت تحولات سياسية مهمة خلال السنوات الماضية هي دول خفيفة السكان ضعيفة الامتداد والتأثير الثقافي والحضاري في محيطها، فإن تأثيرها في مسار التطور الديمقراطي العربي العام يبقى ضئيلا، بعكس دول القلب ذات الكتلة البشرية الضخمة والتأثير الكبير في الساحة العربية. ولهذا فإنه في المحصلة النهائية، تظل غالبية الشعب العربي تعيش في ظل حكم غير ديمقراطي؛ حيث تتركز التحولات الديمقراطية النسبية في الأطراف قليلة السكان بينما يظل القلب بكتلته السكانية الضخمة بعيداً ومتعثراً.

أزمة المعارضة السياسية، هي جانب رابع من جوانب الأزمة العامة للديمقراطية العربية التي كشفت عنها أحداث موريتانيا. فعلى الرغم من المعارضة الواسعة لحكم "ولد الطايع" والقمع الذي مارسه ضد هذه المعارضة على مدى سنوات طويلة، فإنها لم تستطع أن تمثل تحدياً جدياً له وانتظرت حتى جاء الجيش ليطيحه عن كرسي الحكم. وعلى الرغم من أن "ولد فال" قاد تجربة ديمقراطية كبيرة، فإنه أقدم عليها بدافع ذاتي يعكس استنارته ورغبته في الإصلاح أكثر من خضوعه لقوى المعارضة أو استجابته لضغوطها. وهذا يعكس واقع المعارضة العربية بشكل عام، وهي معارضة، في جانب كبير منها، ضعيفة ومشرزمة وشكلية ولا تمتلك أي رؤية واضحة للتغيير بل إن بعضها يخدم السلطة من خلال تكملة الصورة السياسية التي تريدها أكثر من كونها معارضة حقيقية تستند إلى قاعدة اجتماعية فاعلة. وهذا يجعل التغيير الديمقراطي في العالم العربي محكوماً بالصدفة والعوامل الشخصية والذاتية أكثر من كونه نتاج عوامل واعتبارات موضوعية.

اجتاحت العالم خلال العقود الماضية عدة موجات من الديمقراطية، كانت المنطقة العربية استثناءً منها، وهذا يثير تساؤلاً أساسياً هو: هل يحتاج العالم العربي إلى التفكير في مقاربات مختلفة للتغيير تتجاوز كل الأنماط المتعارف عليها في العالم ؟ سؤال يمكن أن يساعد السجال الدائر حول دلالات ما جرى في موريتانيا على تقديم بعض الإجابة عليه.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات