الانتخابات الرئاسية المصرية: الأبعاد والتداعيات

د. كينيث كاتزمان: الانتخابات الرئاسية المصرية... الأبعاد والتداعيات

  • 2 أكتوبر 2005

في شهر يونيو/حزيران 1995، نجا الرئيس المصري حسني مبارك من محاولة اغتيال نُـفذت ضد موكبه الرئاسي خلال زيارة إلى إثيوبيا. كان منفذو العملية أعضاء في "الجماعة الإسلامية" وتنظيم "الجهاد"، وهما الجماعتان نفسهما اللتان اغتالتا سلفه، أنور السادات، في أكتوبر/تشرين الأول 1981، في هجوم كاد يودي بحياة مبارك أيضاً حيث كان حينها نائباً للرئيس. في العام 1995، كانت هاتان الجماعتان قد بدأتا تعززان شراكة وثيقة مع المنظمات الإسلامية التي شكلت لاحقاً تنظيم القاعدة. في إثيوبيا يومئذ، نجا الرئيس مبارك من مصير سابقه، لكن محاولة الاغتيال تلك أثبتت فشل الزيارة التي قام بها إلى باكستان في سنة 1993، بغية إقناع حكومة بنازير بوتو بغلق معسكرات تدريب الناشطين الإسلاميين قرب الحدود مع أفغانستان، وإلقاء القبض على أحد المتهمين بتدبير خطة اغتيال السادات، وهو الطبيب المصري أيمن الظواهري. في تلك الفترة، كان الظواهري أقرب شريك ومستشار لمؤسس القاعدة، أسامة بن لادن، وهما القياديان اللذان خططا لاحقا لهجوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة.

 وبفعل محاولة الاغتيال تلك في إثيوبيا، وبعد الهجمات التي شنتها هاتان الجماعتان على السياح الغربيين في الأقصر في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1997، حدث التفاف للجماهير المصرية حول الرئيس مبارك تأييداً له. ربما كان الشعب المصري قد بدأ يمتعض من هيمنة مبارك بلا منازع على السياسة المصرية، لكنه لم يكن بالتأكيد يريد حكومة يرأسها أيمن الظواهري أو شركاؤه. وجاء اعتداء فبراير/شباط 1993 على مركز التجارة العالمي، ثم هجمات تنظيم القاعدة في أغسطس/آب 1998على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، ليدعما إلى حد بعيد حجة مبارك الدائمة بأن المنظمات الإسلامية المصرية لم تكن تهدد حكومته وبلاده فقط بل تهدد الولايات المتحدة نفسها. وظل الأمر على حاله حتى هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، حيث ترسخ شعور قوي لدى الحكومة الأمريكية مفاده أن مبارك والولايات المتحدة يواجهان عدواً واحداً هو تنظيم القاعدة، وأن الاثنين شريكان في الحرب الجديدة على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة. واتضح بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول أن مبارك سيحصل على "شيك على بياض" من الولايات المتحدة، وأنه سيتم تجنيبه أي انتقاد لفشله في تحريك الأوضاع السياسية في مصر بشكل ملموس وفي "تدفئة" سلامه البارد مع إسرائيل.

 وفي حين كان مبارك يتوقع ربما سخاءً في الجزاء لقاء سعيه الطويل الأمد ضد الظواهري والقاعدة وتعاونه في الحرب على نظام "طالبان" في أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة، فإن سياسة إدارة بوش نَحَت منحىً غير متوقع تماماً، بل إنها سارت على عكس ما توقع مبارك. لقد استخدمت إدارة بوش القوة العسكرية لطرد نظام "طالبان" من الحكم في أفغانستان، لكنها لم تـُفلح في إلقاء القبض على ابن لادن أو الظواهري، رغم أن ضربات الولايات المتحدة في أفغانستان قتلت العنصر القيادي الثالث في تنظيم القاعدة، وهو المصري محمد عاطف.

 وطورت إدارة بوش سياسة بعيدة المدى لمكافحة الإرهاب لا تتلخص في القبض على ابن لادن أو الظواهري، بل ترمي إلى تطوير الديمقراطية في العالم العربي. هذه السياسة لم تلقَ دعماً من صناع القرار السياسي في الإدارة الأمريكية فحسب، بل باركها الكثير من الخبراء الأمريكيين في شؤون الشرق الأوسط، حيث أيدوا الفكرة القائلة بأن العالم العربي بحاجة إلى تغيير جذري من الداخل. وجاء هذا المبدأ متحدياً للمفاهيم السائدة القديمة التي تفيد بأن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة تلقى حماية أفضل من خلال الحفاظ على استقرار الأنظمة، بل حتى بالعمل مع الأنظمة الشمولية. كما تباينت السياسات التي انتهجتها الإدارة الأمريكية بشدة مع توصيات بعض الخبراء السياسيين الأمريكيين الذين رأوا أنه كان يجدر بواشنطن أن تستخدم انتصارها في أفغانستان لإعطاء دفع قوي لتسوية النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، حيث إن تسوية ذلك النزاع كفيلة، في نظر الكثيرين، بإزالة مصدر توتر مزمن في المنطقة، ومن ثم قطع دابر القاعدة وإيديولوجيتها فيها.

 لقد منحت حجة تبني نشر الديمقراطية إدارة بوش ملاذاً عندما أخفقت القوات الأمريكية في العثور على أسلحة الدمار الشامل في العراق أو إثبات وجود علاقة أكيدة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة بعد غزو العراق. ربما لم يكن موضوع تطوير الديمقراطية حافزًا قوياً لغزو العراق في أول الأمر، لكنه أصبح اليوم الدافع الرئيس للوجود الأمريكي هناك وسط تمرد سُني عربي مستمر. وقد كان من الطبيعي أن يدعو مؤيدو هذا المسار إدارة بوش إلى تطبيق سياسة تطوير الديمقراطية ليس فقط على أعداء الولايات المتحدة بل على حُلفائها أيضا مثل مصر والسعودية.

لقد شجع تشديد الولايات المتحدة على إحلال الديمقراطية في البلدان العربية، منتقدي الرئيس مبارك داخل مصر (وحتى خارجها) على مطالبته بتعديل قوانين الانتخابات التي أتاحت له الفوز بأربعة استفتاءات رئاسية سابقة. وبدأت أحزاب سياسية معارضة للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، تنظم صفوفها مثل حزب الغد، الذي يتزعمه أيمن نور، وظهرت حركة "كفاية" التي تنظم مظاهرات في الشوارع مطالبة بالإصلاح. لم تكن المظاهرات كبيرة جداً، ولكن اقترانها بالانتقادات الأمريكية كان كافياً لحمل الرئيس مبارك على اقتراح تعديل دستوري، تم سنه في شكل قانون بعد ذلك، الأمر الذي مكّن من تنظيم أول انتخابات رئاسية تعددية على الإطلاق في مصر.

 في نهاية المطاف، فاز الرئيس مبارك بانتخابات الرئاسة التعددية بسهولة في السابع من سبتمبر/أيلول 2005. لقد خاض حملة انتخابية على الطريقة الغربية، حيث احتك بالناخبين، وفاز بنسبة رسمية قدرها نحو 88% من الأصوات، في حين لم يحصل أقرب منافسيه وهو أيمن نور، سوى على نحو 7% فقط. أما مرشح حزب الوفد، نعمان جمعه، فحاز رسمياً نحو 3% من الأصوات. زعم أيمن نور بالخصوص أن نتيجة الانتخابات كانت وليدة التزوير، ولكن من غير المرجح أن يكون التزوير قد استُخدم على نحو واسع إلى حد التأثير في النتيجة الإجمالية. الأكيد، على العكس من ذلك، هو أن أيمن نور حصل على نسبة أعلى من تلك التي حملتها النتائج الرسمية، حتى وإن لم يكن بوسعه بكل تأكيد الفوز بالانتخابات لو كانت حرة ونزيهة تماماً، وحتى لو أشرف عليها مراقبون أجانب مختصون، الأمر الذي لم يكن. غير أن الإشكال الأكبر بالنسبة إلى الرئيس مبارك كان نسبة المشاركة التي بلغت حوالى 20%، الأمر الذي يوحي بأن الكثير من المصريين اعتقدوا أن العملية الانتخابية سائرة إلى إعادة انتخاب مبارك.

 إن السبيل إلى تقييم موقف مبارك السياسي يكمن في تحليل الأحداث في مصر بعد الانتخابات، فهذه الأحداث كفيلة بأن تحدد إن كان مبارك يواجه مصير قادة آخرين ممن نظموا انتخابات اعتـُبرت فاقدة للمصداقية، وتمت الإطاحة بهم لاحقاً؛ ومنهم الرئيس الجيورجي، إدوارد شيفرنادزه، وعسكر أكاييف، الرئيس القيرغيزي، دون ذكر الثورة البرتقالية في أوكرانيا.

 من هنا، يتضح أن مبارك تفادى رصاصة أخرى، سياسية هذه المرة. فقد كانت هناك بعض المظاهرات احتجاجاً على طريقة إجراء الانتخابات، غير أن عدد المتظاهرين لم يكن كبيراً، ولم تظهر أي حركة مهمة بعد الانتخابات للمطالبة باستقالته. ومع ذلك، فإن موقف مبارك السياسي سيتضح أكثر بعد الانتخابات النيابية في نوفمبر/تشرين الثاني 2005، لكن الأمر يتوقف على مدى محاولة إدارته تحسين شفافيتها مقارنة بالانتخابات الرئاسية.

 يبدو أن الكثير من المصريين يعتقدون أن التغيير الديمقراطي سيكون تدريجياً، وأن عملية التعديل الدستوري التي قام بها مبارك، حتى وإن كانت قاصرة، فقد عملت بعض الشيء على تطوير الحرية السياسية. ويعزز هذا التقييم رد الفعل الأمريكي الرسمي على الانتخابات، حسبما عبرت عنه وزراة الخارجية الأمريكية.

 إن من شأن أي مضاعفات أن تؤثر سلباً في مستقبل جمال نجل الرئيس مبارك، الذي كان يأمل ربما أن يخلف والده من دون اعتراض يُذكر. وإضافة إلى ذلك، فإن أي جهد سيبذله الرئيس مبارك باتجاه وصول ولده إلى سدة الحكم من خلال العمليات السياسية التقليدية غير الشفافة، كفيل بأن يحدث رجة قوية في الشارع المصري قد يصعب على الرئيس مبارك تفادي عواقبها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات