الافتتاحية: نحو تعاون عربي-صيني أوسع يعزّز السلام العالمي

  • 8 يوليو 2020

العلاقات بين العالم العربي والصين ليست طارئة ولا حديثة عهد، بل تمتد جذورها إلى قرون طويلة عاشت خلالها حقباً من الازدهار والتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، التي جعلت من طريق الحرير واحداً من أهم طرق التجارة التي عرفها الإنسان، ومن الشراكة بين الجانبين ضرورة تفرضها روابط التاريخ وعوامل الجغرافيا وتوازنات المصالح.

الصين اليوم قوَّة عظمى في الجانبين الاقتصادي والعسكري؛ وتعزيز التعاون معها؛ وخصوصاً في الجانب الأول، يصبُّ في مصلحة الدول العربية؛ فهو يتيح لها تحقيق التوازن في علاقاتها ما بين الشرق والغرب، ويمكّنها من تنويع خياراتها، والمزاوجة بين نماذج مختلفة، خاصة في مجال التقنيات الحديثة والعناصر التي تحتاج إليها في إطار مساعيها إلى تحقيق النهضة واللحاق بركب التطور التكنولوجي، ويحمي أسواقها من أن تحتَكَر لمصلحة جانب معين، أو تكتل، أو منتج معيَّن، وسواء تعلَّق الأمر بالمواد الخام، أو بتلك المصنَّعة.

وفي هذا السياق يأتي انعقاد منتدى التعاون العربي-الصيني، الذي يهدف إلى دفع الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين نحو آفاق أكثر رحابةً واتساعاً؛ بحيث تشمل مختلف المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً في ظل المعطيات التي تشير إلى تزايد اعتماد كل طرف على الآخر في تلبية المزيد من احتياجاته؛ وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات التبادل التجاري، التي لا بدَّ من أن تترافق مع مزيد من التطور في الجوانب الأخرى؛ لتعزز عناصر التفاهم، وتزيد من نقاط الالتقاء، وتدعم مقوّمات الشراكة على المستويين الرسمي والشعبي.

ويمكن من خلال نظرة مبسَّطة إلى الجانب الاقتصادي من العلاقات ما بين الدول العربية والصين أن نلاحظ ارتفاع معدَّل التبادل التجاري بين الجانبين بنسبة وصلت إلى 9% خلال عام 2019 فقط، الذي وصلت فيه قيمة التجارة المتبادلة إلى نحو 266 مليار دولار؛ إذ ارتفعت الواردات الصينية من الدول العربية إلى نحو 146 مليار دولار، بزيادة نسبتها 4.8%، في حين بلغت واردات الدول العربية من الصين ما يقارب 120 مليار دولار، بزيادة قدرها 14% على أساس سنوي.
وهذه الأرقام تضاف إليها الكثير من المعطيات الجديدة، وعلى رأسها التعاون الكبير الذي أبداه الجانبان العربي والصيني في التعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)؛ حيث قدَّمت الدول العربية مساعدات قيّمة إلى الصين، وعبَّرت عن تضامنها الكامل معها في أثناء تفشي الوباء بمدينة ووهان وعدد من المدن الأخرى في البلاد؛ وهو أمر حظي بتقدير كبير من الجانب الصيني، الذي حرص على أن يكون حاضراً بقوة في دعم الدول العربية التي وصل إليها الفيروس، وأن يقدّم خلاصة خبرته وتجربته في التعامل مع المرض، ترافقها المساعدات والخبراء والفرق الطبية؛ ما كان له أثر جيد في احتواء الفيروس، والسيطرة عليه، والتخفيف من حدَّة انتشاره؛ وكل ذلك يؤكَّد أن مستقبل العلاقات والتعاون المشترك منفتح على آفاق غير محدودة، ومبشّر بتطور كبير يشمل جميع مجالات الحياة، ويحقق نقلة نوعية في مساعي كل طرف نحو تعزيز مسيرته التنموية والنهضوية.

أمام ذلك كلّه؛ يبدو جلياً أن المنتدى يشكل فرصة من المهم جداً استثمارها لاستكشاف فرص جديدة للتعاون بين تكتلين دوليين يملكان إمكانات كبيرة وموارد هائلة، تؤهلهما للقيام بدور فاعل ومؤثر على المسرح العالمي؛ وهو ما أكَّدته كلمة دولة الإمارات، التي ألقاها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، التي دعا فيها إلى المزيد من التعاون والتوافق بين الجانبين في دعم المواقف العربية عبر المحافل الدولية، وتأكيد احترام مبدأ سياسة الصين الواحدة، واحترام النموذج الصيني، إلى جانب مكافحة آفة التطرف والإرهاب، وتأمين حركة الملاحة والتجارة الدولية والممرات المائية وإمدادات الطاقة، والتي مثلت برنامج عمل يسهم، بكل تأكيد، في النهوض بالعلاقات بين الدول العربية والصين وتحقيق النمو والازدهار لشعوب الجانبين، وتعزيز الاستقرار في المنطقة، والإسهام في حفظ السلام والأمن الدوليَّين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات