الافتتاحية: الصحة والسلامة ركيزتان للأمن والاستقرار

  • 7 يوليو 2020

ما من شكّ في أن تحقيق الأمن والسلام والاستقرار لأي مجموعة بشرية، سواء كانت تعيش وفق النظم السياسية والاجتماعية الحديثة، أو وفقاً للروابط والأنظمة البدائية، يستلزم توفير مجموعة من المتطلبات الضرورية التي تلبّي غريزة الإنسان في حب البقاء ونزوعه إلى الرفاهية، ولا غنى عنها، ولا يمكن من دونها أن يشعر الفرد أو الجماعة بالطمأنينة والراحة.
وعلى رأس قائمة هذه المتطلبات يتربَّع كل من الغذاء والصحة والماء، التي تُعدُّ من الركائز والمقومات الأساسية للحياة، والتي عادة ما يسخّر الإنسان جهده ووقته وطاقاته كلها في سبيل توفيرها؛ ولذلك كله نجد أن تاريخ الإنسان حافل بالهجرات والتنقل من مكان إلى آخر سعياً وراء هذه العناصر الثلاثة، وحرصاً على تأمينها لحاضره وأجياله المقبلة؛ فلطالما كان نقص الغذاء والماء، وانتشار الأوبئة والأمراض، مثاراً للتنافس على الموارد اللازمة لمكافحة هاتين الآفتين؛ وبالتالي مدعاة إلى نشوب حروب وصراعات أثقلت كاهل الإنسان، وخلَّفت وراءها كوارث وتبعات ما زالت البشرية تعانيها إلى اليوم؛ وكثيراً ما أثار خلافات وأزمات داخل الدولة أو المجتمع الواحد، تطورت إلى ما هو أسوأ، وتحولت إلى حروب أهلية أتت على الأخضر واليابس، وخلَّفت عداوات وأحقاداً وضغائن بين مجموعات دينية وعرقية أدت في النتيجة إلى تفتُّت وانقسام دول ومجتمعات، وأفول ثقافات وحضارات وطمسها.
وخلال أزمة جائحة كورونا، التي ظهرت منذ أواخر عام 2019 وما زالت تشكّل حتى اليوم التهديد الأكبر والأهم الذي يواجه الإنسان على الأرض، ويقضّ مضاجع الدول شعوباً وقادة، ويعطل الكثير من مظاهر الحياة فيها، برزت أهمية دور الصحة، والمحافظة عليها وعلى الإنجازات التي تحققت للبشرية على هذا الصعيد، في تعزيز الأمن والاستقرار في مختلف أنحاء المعمورة، وخطورة الأوبئة والأمراض على طبيعة العلاقات بين الدول، وتهديدها بشكل أو بآخر طبيعة تلك العلاقات، وخصوصاً في حال حدوث نقص أو قصور في تلبية المتطلبات اللازمة لمكافحتها والتصدي لها، وارتباك وفوضى في آليات التعامل مع هذا النقص؛ إذ تجلَّت تلك الخطورة من خلال تنازع الكثير من دول العالم على ملكية العديد من شحنات الأدوية والمواد الطبية وأجهزة التنفس الاصطناعي، التي كانت تُشحَن من مكان إلى آخر، بل استيلاء بعض الدول على شحنات كاملة، أو على أجزاء منها؛ لتلبية جزء من احتياجاتها في مواجهة الوباء؛ وهو ما سبَّب توتراً وتراشقاً إعلامياً كان يمكن أن يتطور إلى خلافات سياسية؛ لولا التحركات التي قامت بها دول أخرى لاحتواء الموضوع ومنع تفاقمه.
لقد كانت دولة الإمارات من السبَّاقين إلى إدراك مخاطر الأمراض والأوبئة على السلم والاستقرار الدوليين؛ فحرصت منذ إعلان تحول الفيروس إلى جائحة عالمية عابرة للحدود على اتخاذ كل ما يلزم لمواجهتها محلياً، ولدعم الاستجابة العالمية لمخاطرها وتهديداتها خارجياً؛ من خلال إرسال المساعدات الطبية والوقائية إلى أكثر من 70 دولة حول العالم، وتعزيز التعاون والتنسيق مع الأطراف المعنية كافَّة من دول ومنظمات لتعزيز جهود مكافحة المرض والوقاية منه؛ لأنه يهدد أمن الجميع، ويزعزع استقرارهم.
ومجدَّداً أعادت دولة الإمارات، في أثناء مناقشة مجلس الأمن المفتوحة بشأن تأثير جائحة فيروس كورونا المستجدّ في القضايا الأمنية العالمية، تأكيد الدور المهم للصحة في تحقيق الأمن والسلام؛ وذلك انطلاقاً من قناعتها بأن الصحة والأمن هما جزءان من مجموعة مترابطة، يؤثر أحدهما في الآخر؛ الأمر الذي يتطلَّب اهتماماً وتعاوناً عالمياً متعدد الأطراف في مواجهة الوباء حتى يكون الجميع بمأمنٍ منه؛ وهو خطاب يؤكد ريادتها وسلامة منهجها وبُعد نظر قيادتها الرشيدة، ويشكل مرجعاً يمكن الاسترشاد به لصياغة عقد دولي جديد ينظم التعاون العالمي ويؤطره ويدعمه في مواجهة الكوارث والنوازل، وخصوصاً فيما يتعلّق بالحد من تأثيراتها في الأمن والاستقرار.
إن الأمن والاستقرار متطلبان أساسيان للحياة لا يتحققان إلا بضمان الصحة والعافية والسلامة من الأوبئة والأمراض، وتحقيقهما يتيح للإنسان التوجُّه نحو آفاق أخرى، والسعي نحو تحقيق أهداف أكثر طموحاً واتساعاً على طريق النهضة والتطور والرفاهية، وهما أيضاً سببان أساسيان من أسباب الإبداع والابتكار اللذين لا يمكن أن يتحققا في ظروف الخوف والتوجُّس والريبة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات