الاستراتيجية الاتحادية.. ومستقبل الإمارات العربية المتحدة

فتوح هيكل: الاستراتيجية الاتحادية.. ومستقبل الإمارات العربية المتحدة

  • 22 أبريل 2007

"نحن لا نطمح أن نكون الأول على مستوى الدول العربية والمنطقة، بل نريد وجادون أن نكون في المركز الأول عالمياً".. بهذه الكلمات أطلق الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم"، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس الوزراء، بحضور ومباركة الشيخ "خليفة بن زايد آل نهيان"، رئيس الدولة، يوم 17 أبريل/نيسان 2007، الاستراتيجية الجديدة لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تؤسس لمرحلة جديدة من العمل الوطني المخلص والجاد، تستهدف تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة، وضمان توفير الرخاء للمواطنين، وتعزيز مكانة الدولة إقليمياً وعالمياً.

 وقد استندت هذه الاستراتيجية، التي اهتدت الحكومة في وضعها ببرنامج العمل الوطني الذي أطلقه واعتمده رئيس الدولة في ديسمبر/كانون الأول 2005، والذي يجعل من رفع مستوى المواطن وزيادة مشاركته في الشأن العام  واعتباره هدف التنمية وأداتها أولويات عليا وخطوطاً إرشادية لكل الخطط والاستراتيجيات، إلى دراسات جادة وموضوعية شاركت فيها العديد من الفرق الوزارية المتخصصة والخبراء لأشهر عدة، وهو ما يجعلها استراتيجية علمية جادة وقابلة للتطبيق، كما جاءت هذه الاستراتيجية شاملة وطموحة ومفصلة؛ حيث غطت 21 موضوعاً، موزعة على ستة قطاعات رئيسة هي: قطاع التنمية الاجتماعية، وقطاع التنمية الاقتصادية، وقطاع العدل والسلامة، وقطاع التطوير الحكومي، وقطاع البنية التحتية، وقطاع تطوير المناطق النائية. وتضمنت كذلك العديد من المبادئ الرئيسة، التي تترجم فلسفة الحكم والقيادة والإدارة في الدولة، وأهمها: تعزيز التعاون بين السلطات الاتحادية والمحلية من أجل استثمار أفضل للموارد والطاقات، وتفعيل الدور التنظيمي وتحسين آليات صنع القرار في الوزارات المختلفة، وتنمية الموارد البشرية، والتوطين الفعال، وتأهيل قيادات الصف الثاني، ومنح الوزارات المزيد من الاستقلالية في إدارة أعمالها، ورفع كفاءة الأجهزة الحكومية والارتقاء بمستوى الخدمات، ومراجعة وتحديث التشريعات والقوانين.

وتنطلق الاستراتيجية الجديدة من تقييم موضوعي للوضع الراهن، بمشكلاته وإنجازاته، إلى وضع رؤية شاملة لمعالجة مختلف جوانب القصور القائمة والانطلاق نحو المستقبل؛ حيث وجه الشيخ "محمد بن راشد" انتقادات قوية، في لغة غير مسبوقة عربياً، إلى أداء بعض المؤسسات والوزارات الاتحادية في الدولة، واصفاً الوضع الراهن للقطاعات الستة التي ركزت عليها الاستراتيجية بأنه وضع مرتبك ويعاني من نقص في أنشطة التخطيط الاستراتيجي وضعف في الإطار التشريعي والقانوني والإداري، وغياب للسياسات الواضحة تجاه كافة الأنشطة الحيوية والمهمة. وأرجع هذا الارتباك إلى ضخامة حجم المتغيرات وسرعة حدوثها خلال السنوات القليلة الماضية، فضلاً عما تتسم به المؤسسات الاتحادية في كل نماذجها على مستوى العالم من بطء في الاستجابة للتغيير؛ نظراً لطبيعة الدولة الاتحادية باعتبارها دولة مركبة من عدة أقاليم تكون دورة صنع القرار في مؤسساتها أطول منها في الدولة البسيطة المكونة من إقليم واحد، متعهداً بإنهاء هذا البطء وإزالة ذلك الارتباك.

وركزت الانتقادات بشكل خاص على عدد من الوزارات، من بينها وزارة التربية والتعليم، التي اعتبر مردودها ضعيفاً بالرغم من مئات المليارات التي تصرف على هذا القطاع، وأن هناك تخلفاً في طرق التعليم التي تعتمد على الحفظ والحشو والتلقين، وهو ما أدى إلى ضعف مخرجات العملية التعليمية، وألحق بالوطن والمواطنين خسائر فادحة، كما انتقد أداء وزارة الصحة، معتبراً أنه ليس أفضل حالاً من التعليم، وأن مستوى الخدمات الصحية ضعيف. وكان الانتقاد الأشد قسوة من نصيب النظام القضائي والعدلي، وذلك عندما اتهمه الشيخ "محمد بن راشد" بأنه "متخلف 20 سنة عن الواقع الحالي"، مشيراً إلى أن العدالة في القضاء لا تتحقق فقط بسلامة الأحكام، وإنما أيضاً بسهولة ووضوح إجراءات التقاضي وسرعة الفصل في القضايا.

وأولت الاستراتيجية اهتماماً خاصاَ بقضية العمالة والتوطين، واعتبرتها أولوية مطلقة في برنامج العمل الوطني وخطة الحكومة. وتضمنت الاستراتيجية في هذا الصدد مجموعة من الاقتراحات والآليات العملية، التي اعتبر الشيخ "محمد بن راشد" أنها ستؤثر إيجابياً على التركيبة السكانية، ومن ذلك تقليل العمالة الهامشية، ومعالجة ظاهرة العمالة المخالفة، ورفع مستوى التوطين ، والانتقاء في العمالة الوافدة من خلال التركيز على العمالة الماهرة، التي تساهم في تعزيز قواعد الاقتصاد المعرفي في الدولة، مؤكداً في الوقت ذاته على أن ثمة مسؤولية يتحملها المجتمع في ازدياد خلل التركيبة السكانية، من خلال الاعتماد على العمالة المنزلية غير الضرورية، والتي بلغ عددها أكثر من 300 ألف، وكذلك في التستر على العمالة المخالفة. معتبراً أن من يشارك في هذا التستر هو "خائن ويجب أن يكون مصيره السجن".

وعلى المستوى الاقتصادي، ورغم التطور المهم الذي شهدته الدولة في هذا المجال؛ حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من 261 مليار درهم عام 2002، إلى 599 مليار درهم عام 2006، فقد أكدت الاستراتيجية الاتحادية ضرورة الإسراع بمعدلات النمو والتنمية، من خلال التركيز على تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني (عبر تأسيس مجلس وطني للتنافسية لتقديم المشورة للحكومة الاتحادية، وتحديث القوانين والتشريعات الاقتصادية، وإنشاء مكتب وطني للإحصاء، وتأهيل وإعداد المواطنين للتنافس بشكل أفضل في سوق العمل. كما أكدت الاستراتيجية ضرورة تطوير أداء القطاع الحكومي من خلال أربعة محاور استراتيجية، هي: التركيز على أنشطة التخطيط الاستراتيجي ووضع نظام متكامل لمتابعة الأداء؛ تطوير قطاع الخدمة المدنية وتأهيل قيادات الصف الثاني؛ تطوير مستوى الخدمات الحكومية؛ وتفعيل برنامج الحكومة الإلكترونية. فيما وجه الشيخ "محمد بن راشد" انتقادات قوية لثقافة العمل السائدة في بعض قطاعات الحكومة والتي تتسم بالجمود والروتين، مؤكداً أن هذه الثقافة لا تصلح لدولة الإمارات وطموحها، ويجب أن تتغير لتحل محلها ثقافة الإبداع والابتكار والإنتاجية والتفاني في أداء الواجب، مشيراً إلى أن الأنظمة والقوانين والهياكل المالية والإدارية في الدولة ستكون في خدمة هذه الثقافة الجديدة، وأن الوزارات ستكون وحدات إنتاجية تنافس في أدائها أفضل الممارسات العالمية.

لقد وضعت الاستراتيجية الاتحادية الجديدة لدولة الإمارات العربية المتحدة أسساً قوية وأهدافاً طموحة لمواجهة التحديات التي تواجهها الدولة وبناء مستقبل أكثر إشراقاً، والوصول بها إلى مصاف الدول المتقدمة، غير أن إنجاز هذه الاستراتيجية الطموحة ووضعها موضع التطبيق يحتاج إلى تفعيل الجهود الوطنية من قبل كافة الأطراف (الحكومة والمواطنين والقطاع الخاص)، وهنا تأتي أهمية الدعوة التي وجهها الشيخ "خليفة بن زايد آل نهيان" رئيس الدولة إلى الكوادر الوطنية جميعها من أجل الالتفاف حول الحكومة وتقديم كل أشكال الدعم لها لإنجاز هذه الاستراتيجية، كما كان الشيخ "محمد بن راشد" واضحاً حينما أكد في نهاية عرضه للاستراتيجية أن "مقياس الجدارة ليس في وضع الوثائق والخطط وإنما في تنفيذها". وأعطى وزراء الحكومة مهلة زمنية تتراوح ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات كحد أقصى لتنفيذ هذه الاستراتيجية، مؤكداً أنه لن يقبل إلا بالاستجابة الكاملة لكل ما تضمنته هذه الاستراتيجية الطموحة.

إن إطلاق هذه الاستراتيجية المبنية على الدراسات المنهجية والتخطيط العلمي الرصين، وبقدر ما يعكس الطموح المشروع للقيادة السياسية الإماراتية في بناء وطن يسعى دائماً إلى  المقدمة والريادة، فإنه يؤكد من جديد حرصها وإصرارها على مواصلة نهجها الثابت في التخطيط للمستقبل استناداً إلى استراتيجيات واضحة ورؤى علمية، وهو النهج الذي مكن الدولة في السابق من تحقيق نجاحات مهمة في كافة المجالات، وجعلها تحتل المرتبة الأولى عربياً وإقليمياً في العديد من هذه المجالات، لاسيما التنموية منها، وليس أدل على ذلك من احتلالها للمركز الثالث عالمياً في التقرير العالمي لرواد الأعمال لعام 2006، خلف الولايات المتحدة وسنغافورة، والمركز الأول عربياً وإقليمياً، في مجال التنافسية الاقتصادية، خلال العام الحالي، فيما يتوقع أن تحدث الاستراتيجية الاتحادية الجديدة مزيداً من الحراك والتطوير في القطاعات المختلفة، خاصة الاقتصاد والتعليم والصحة والتوظيف، من أجل التواكب مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وتعزيز ريادة الدولة ومكانتها الإقليمية والدولية، ومساعدتها على تحقيق طموحها الأسمى، والمتمثل في المنافسة على المركز الأول عالمياً. ورغم أن هذا الهدف يمثل تحدياً كبيراً، ويحتاج إلى مضاعفة الجهود الوطنية، فإن الإمارات، قيادة وشعبا، قادرة ولديها الرغبة في إنجاز هذا الفعل التاريخي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات