الاحتجاج الحضاري على تصريحات البابا

  • 19 سبتمبر 2006

من حق المسلمين في كل مكان التعبير عن احتجاجهم على ما قاله بابا الفاتيكان بشأن الإسلام والنبي محمد (ص)، إلا أن الاحتجاج يجب أن يكون حضاريا خاليا من العنف أو الاعتداء على الكنائس، كما حدث في بعض المناطق خلال الفترة الأخيرة. إن الاحتجاج المنظم والمنضبط يمكن أن يتحول إلى قوة تأثير كبيرة تنجح في إيصال الرسالة المراد إيصالها إلى الجهات المعنية، كما أنه يترجم روح الإسلام السمحة التي تؤكد الحوار بالحسنى وتحترم أماكن العبادة وتقدس أرواح البشر أيا كان جنسهم أو دينهم. أما انفلات الأمور وتحولها إلى العنف واستهداف الكنائس، فإنه لا يخدم القضية المراد الدفاع عنها بل إنه يحول الاهتمام عنها إلى أمور أخرى فرعية، وبالتالي يفقدها حجيتها وقوة تأثيرها، فضلا عن أنه يوفر المزيد من الحجج للمتعصبين والمتطرفين، على الجانبين، للاستمرار في تخريب العلاقة بين الإسلام والمسيحية وركوب الموجة لنشر المزيد من نزعات التعصب والكراهية.

إن الرد على تصريحات بابا الفاتيكان من خلال الاعتداء على الكنائس في الدول الإسلامية يقدم صورة سيئة للمسلمين والإسلام، ويخرب علاقة التعايش والمواطنة المستمرة منذ مئات السنين بين المسلمين والمسيحيين في هذه الدول ويهدد بفتن طائفية خطيرة يعود ضررها على أطرافها في المقام الأول في الوقت الذي تعمل فيه على تفادي مثل هذه الفتن والتصدي لبعض الأطراف الخارجية التي تعمل على إشعالها.

وهناك دعوات عديدة لمزيد من الاحتجاج على تصريحات البابا خلال الفترة المقبلة، وهذا أمر مشروع، إلا أن المرفوض هو أن يتحول هذا الاحتجاج إلى أعمال عنف أو اعتداء على الكنائس أو المؤسسات الغربية، ومن المهم أن يوجه رجال الدين المسلمون والمؤسسات الدينية ذات التأثير في العالم الإسلامي، رسالة واضحة في هذا الخصوص تدعو إلى الغضب المتحضر وتمنع أي استهداف لأماكن العبادة حتى لا يتكرر ما حدث إبان الاعتراضات على الرسوم الدنماركية من تجاوزات أساءت إلى القضية وأفقدتها كثيرا من قوة تأثيرها وشرعية طرحها.

يجب ألا يتوقف الأمر عند حد الاحتجاجات على تصريحات البابا، وإنما لا بد من أن تكون هذه الاحتجاجات مقدمة أو قوة دافعة لحوار جدي وفاعل بين المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية من أجل وضع ميثاق شرف أو مدونة سلوك تمنع أي تناول للأديان من قبل هذه المؤسسات وتسهم في التصدي المشترك للقوى التي تعمل على إشاعة التوترات الدينية، وتحاول أن تجعل من الدين مادة للصراع بين الحضارات والثقافات. ولكي يتحقق ذلك لا بد من أن تكون هذه الاحتجاجات سلمية ومنظمة وأن تكون التحركات في ظلها علمية ومدروسة من خلال المتخصصين والمعنيين الذين عليهم أن يقودوا الأمر حتى لا يتركوا الساحة فارغة لدعاة التهييج واللعب على العواطف والمشاعر الذين كثيرا ما أساؤوا إلى قضايا عادلة ومشروعة بسبب الطريقة السيئة التي طرحوها بها أمام العالم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات