الاجتماع الأمريكي-الإيراني بشأن العراق .. نتائج ودلالات

د. جون بروني: الاجتماع الأمريكي-الإيراني بشأن العراق .. نتائج ودلالات

  • 7 يونيو 2007

عقد الأمريكيون والإيرانيون يوم الاثنين 28 مايو/أيار 2007 اجتماعهم الذي طال انتظاره في بغداد بهدف مناقشة مستقبل الوضع الأمني في العراق، كما استهدف هذا الاجتماع الذي استغرق نحو أربع ساعات التخفيف من حدة التوترات القائمة بين واشنطن وطهران بشأن العراق ومحاولة الخروج بهذا البلد من أزمته المتفاقمة. وقد اكتسب هذا اللقاء في حد ذاته درجة عالية من الأهمية؛ نظراً لأنها المرة الأولى التي تجري فيها هاتان الدولتان مثل هذا النوع من الحوار الثنائي بينهما منذ قيام واشنطن بقطع علاقاتها مع إيران منذ نحو 27 عاماً، بعد اقتحام السفارة الأمريكية في طهران وأزمة الرهائن التي نتجت عن ذلك عام 1979-1980.

غير أن نتيجة المحادثات الثنائية جاءت وكما كان متوقعاً مخيبة للآمال إلى حد ما، فلم يكن هناك منعطف ملموس أو وعود بمزيد من المحادثات، رغم أن الوفد الإيراني برئاسة سفير طهران في العراق "حسن كاظمي القمي" اقترح تشكيل لجنة أمنية ثلاثية تضم الولايات المتحدة والعراق وإيران، كما عرض أن تقوم بلاده بالمساعدة في تدريب قوات الأمن العراقية، وهي الأفكار التي تعهد سفير الولايات المتحدة في العراق ورئيس الوفد الأمريكي في هذه المحادثات "ريان كروكر" بأن ينقلها إلى رئاسته في واشنطن لدراستها وتحديد الموقف منها، وإن كان من غير المرجح أن تقبل إدارة "بوش" أية مبادرات سياسية إيرانية لا تلبي المطالب الأمريكية حتى لو كانت تبدو في ظاهرها ودية، رغم  الموقف الإيجابي الذي يبديه الرئيس الأمريكي حالياً بشأن المقترحات التي وردت في تقرير بيكر-هاملتون والداعية إلى  فتح باب الحوار مع إيران.

الموضوع الرئيس الذي نوقش في الاجتماع هو الوضع في العراق، وكان هذا محدداً بوضوح قبل عقد هذا الاجتماع، رغم حقيقة وجود العديد من الأزمات المتزامنة المحيطة بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي كان آخرها قيام طهران باعتقال ثلاثة من مواطنيها الذين يحملون الجنسية الأمريكية بتهمة التجسس رداً على قيام واشنطن في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي باعتقال عدد من المسؤولين الإيرانيين في العراق بدعوى أنهم يعملون مع قوات الحرس الثوري الإيراني، رغم إنكار وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" مؤخراً أي وجود أي ربط بين احتجاز الأمريكيين الإيرانيين وأعضاء قوات الحرس الثوري الإيراني. وهناك كثير من الأزمات الأخرى بين البلدين وعلى رأسها أزمة البرنامج النووي الإيراني  وإصرار إيران الصريح على  تخصيب الوقود النووي بشكل مستقل.

وبالطبع ومن أجل أن ينجح هذا الحوار، رأت الدول المشاركة أنه من الأفضل ألا يتم السعي إلى  تحقيق أهداف عاجلة أو حاسمة، والاقتصار بدلاً من ذلك على فتح نافذة يستطيع من خلالها كل طرف جس نبض الطرف الآخر وقياس مدى استعداده للإتفاق. وإذا استطاع الطرفان تحقيق بعض التقارب المؤقت في المصالح بينهما بشأن العراق، فإنه يمكن بعد ذلك التطرق إلى جوانب أخرى أكثر جدلية وتوتراً في العلاقات بين البلدين.

وعلى الرغم من حقيقة عدم توصل اجتماع بغداد إلى  نتائج ملموسة، فإن النتائج العامة التي خلفها هذا الاجتماع تعتبر مهمة؛ حيث خرج كلا الوفدين الأمريكي والإيراني من الاجتماع ببعض الملاحظات الإيجابية حول نوايا كل طرف ومقاصده، واتفقا على فكرة دعم وتقوية الحكومة العراقية برئاسة "نوري المالكي"، الذي يبدو أنه في حيرة متزايدة من أمره، كما اتفق البلدان على ضرورة وجود عراق موحد. ولكن، وكما يقول المثل "الكلام لا يكلف شيئاً"، فمازال الطرفان الفاعلان مختلفين، وكل واحد منهما يشكك في دوافع الطرف الآخر، فيما لا يزال العراق يعاني استمرار المعارك المسلحة وأعمال العنف الطائفي. وحتى تتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق نهائي بشأن تسوية الوضع في العراق وحل مشكلة الميليشيات المسلحة فيه، سواء من خلال إشراكها في عملية التسوية النهائية، أو القضاء عليها بشكل تام، فإن المذابح التي يشهدها العراق وتقطع أوصاله سوف تستمر دون توقف.

المسائل التي ما تزال موضع خلاف بين الأمريكيين والإيرانيين بشأن العراق والتي كشف عنها اجتماع بغداد الأخير معروفة للجميع؛ فالأمريكيون متأكدون من أن قوات الحرس الثوري الإيراني تتدخل في الشأن العراق، لاسيما تلك المعروفة بقوة القدس، والتي تقوم بتسليح وتدريب وتمويل وتقديم الدعم اللوجيستي للميليشيات الشيعية المسلحة، وهذه الادعاءات تنكرها إيران، التي تريد الحصول على ضمانات بأن الولايات المتحدة ستواصل دعمها وتأييدها لصعود الشيعة إلى السلطة في العراق، وعدم الانقلاب عليهم لصالح الأكراد الموالين لها. كما أن الإيرانيين، يتهمون الولايات المتحدة بعدم القيام بما يكفي لتأييد قوات الأمن العراقية، ويرغبون أيضاً في أن تلتزم الولايات المتحدة بالانسحاب عسكرياً من العراق. ومن الواضح أن جميع هذه المسائل تعتبر غير مترابطة منطقياً مع بعضها البعض ولن تقبل واشنطن بالكثير منها، وبالتالي فقد كان منطقياً أن يفشل الاجتماع في الخروج بنتائج سريعة ترضي الولايات المتحدة أو إيران والعراق.

وبصرف النظر عما أسفر عنه هذا الاجتماع فإنه لا يمكن استبعاد الافتراض القائل بأن الولايات المتحدة وإيران في مقدورهما وضع أساس لنوع من التعاون الملموس والبناء بينهما بشأن العراق، فقد سبق وأقام البلدان نوعاً من التعاون الاستراتيجي بينهما؛ حيث تعاون الإيرانيون مع الولايات المتحدة في الإطاحة بحركة طالبان في أواخر عام 2001. كما أيدت طهران سعي الولايات المتحدة للإطاحة بصدام حسين عام 2003 بالرغم من حقيقة أن إدارة بوش والحكومة الإيرانية لا تثقان ببعضهما، فكل واحدة منهما ترى الآخر خصماً كامناً لها. ومن المؤكد أيضاً القول بأن استمرار القلق وعدم الاستقرار في العراق لا يخدم مصالح أي طرف منها.

ورغم كل ذلك، فإن السياسات المبدئية بين القوة العظمى الوحيدة في العالم والقوة الإقليمية الصاعدة في منطقة الخليج تملي العديد من الحسابات، أهمها هي النتيجة النهائية التي ستعلن عمّـن سيفوز بأطلال ما كان عراقاً في الماضي. فهل ستحتفظ الولايات المتحدة بنفوذها ومصالحها الأساسية في بغداد؟ أم ستنجح إيران في لم شتات عراق ما بعد صدام بصفته دائرة نفوذها هي دون غيرها؟ بالنسبة لصانعي السياسة في كل من واشنطن وطهران فإن الأمر يستحق المجازفة والسعي وراء تحقيق المكاسب. أما بالنسبة للعراقيين العالقين وسط هذا السعي الصريح وراء الهيمنة الجيوسياسية في منطقة الخليج فهم الخاسرون. لقد كلف التدخل الأجنبي السافر في شؤون العراق الداخلية العراقيين عزتهم وكرامتهم والأهم من هذا كله وطنهم الذي أمسى بعد سقوط صدام لا يتعدى كونه رقعة شطرنج مع بقاء قدر العراق في أيدي اللاعبين الخصمين الأمريكي والإيراني.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات