الإعلام: سؤال الرقابة والحرية

د. بشارة نصّار شربل: الإعلام... سؤال الرقابة والحرية

  • 21 مايو 2006

من المفيد فعلاً أن تعقد لقاءات إعلامية عربية جامعة تضم مؤسسات صحافية وصحافيين. ومهما كانت العناوين التي يأتمر في ظلها أصحاب الأقلام، فإن الجامع المشترك بينهم قائم دوماً، وهو السؤال عن حدود الكلام.

لا تتردد الملتقيات ولا المنتديات في طرح موضوعات لا تطرح عموماً على وسائل الإعلام في بعض الدول العربية المتشددة إزاء الحريات المطلقة والتي تكثر فيها الممنوعات والمحرمات. لكن لا تردد في القول إن النقاشات التي تطال هذا الموضوع الحساس تبقى في إطار ضيق، أو أمام جمهور محدود، أو أنها تتجنب الخوض في التفاصيل مراعاة للبلد المضيف، أو استسلاماً لنمط من العلاقات يجعل أهل الاعلام يؤدون التحية ويقدمون فروض الطاعة أو لا يندفعون في كشف المستور.

رغم ذلك تبرز المنتديات واللقاءات تطوراً ملحوظاً في مهنة الإعلام، وتوسعاً يجعل من هذه الهواية صناعة مزدهرة، ولو أنها تقصر عن مثيلاتها في الغرب سواء من حيث الاستثمار، أو من حيث المردود، أو من حيث القواعد العامة التي تحكم الإنتاج، والتي يمكن إدراجها تحت اسم السياسات الأخلاقية والمهنية غير القابلة لكثير من التأويل بحجة الخصوصيات.

وإذ تتفاوت الأسئلة بتفاوت الظروف ونوعية العمل الإعلامي والأشخاص، يبقى الهاجس الأصلي لدى كثيرين واقعاً بين حدي الرقابة والحرية، بدءاً من المصنفات الفنية وانتهاء بالإعلام السياسي أو ممارسة السياسة في الإعلام. ولا شك أن الاهتمام والنبرة والوسائل تختلف بين الراغب في رفع سقف الرقابة لنشر صورة لممثلة غير محتشمة، على سبيل المثال، وبين المتعطش لنقد السلطة والدعوة إلى تغييرها.

في المنتديات والملتقيات تختلط كل الأنواع. من المبالغة القول إنها تصير "برج بابل" زاخراً بكل الأصوات، لكن من الواقعي ملاحظة أن النقاش والمداخلات تعبُر بلا متابعة مثمرة، ولا يعلق في الأذهان منها سوى المفارقات. وربما كان ذلك نابعاً من طبيعة اللقاءات السريعة، أو من تباعد الأفكار المانع للتلاقح البناء، أو لنقص الدربة في الاستخلاص والتطبيق العملي للاقتراحات.

وبغض النظر عن أشكال تبادل الرأي التي تحصل لساعات معدودة أو لأيام قليلة في كل عام، والتي تساهم ايجابياً، في نهاية الأمر، في التعارف، وإقامة علاقات إنسانية ومهنية بين أبناء الهم الواحد والاهتمام المشترك، فإن المسائل المطروحة على الإعلام العربي تبقى منوطة بإعلاميي كل بلد على حدة، كونهم أصحاب الشأن في خصوصياتهم وظروفهم ووسائل تحقيقهم لما يدفع أهدافهم والمهنة الى الإمام.

لا ينجو أي بلد عربي في الوقت الحاضر من دخول رأس المال بقوة إلى عالم الإعلام. فالصناعة المتعلقة بالتواصل والاتصال تبدو مغرية لرجال الأعمال. وهم ينظرون إليها بعين الربح والقدرة على الاستثمار وتحقيق العوائد. وبقدر ما يُعتقد خطأ أن رأس المال يستلب العمل الصحافي ويحول الإعلاميين إلى أجراء باحثين عن الدولار، بقدر ما يثبت أن آليات "البزنس" المسايرة للتطور العالمي تفرض نفسها عنصر تطوير لشكل ومضمون العمل الإعلامي. ومع أن ذلك لا يسمح بالتبشير ببساطة بانتهاء عصر الإعلام الرسمي والدولتي الموجه أو ذاك الحزبي الأيديولوجي، فإنه يؤشر إلى اتجاه سيكون صعباً على المتمسكين بالأساليب الأيديولوجية والرسمية البائدة في الإعلام أن يصمدوا إزاءه فترة طويلة من الزمن.

ليس سهلاً بالطبع أن يسلم أهل السلطة، سلطة السياسة، أو سلطة العادات والتقاليد، أو سلطة المال السياسي، بأن يتحرر الكلام من ربقة التوجيه، وأن يغرّد الصحافيون كما يشاؤون، متناسين أن القوانين الجزائية موجودة لممارسة العقاب، وأن الرقيب لا يزال يحمل المقص. وهناك حكومات ليست وحدها صاحبة السيف المصلت على رقبة القائلين بالانعتاق من التقليد والتخلف، بل تردفها قوى في المجتمع ذات شأن ونفوذ تدعم القمع بلا حدود، وتعطي السلطات كل المبررات لكبح الحريات، أو تخيفها من المبادرة الى تخفيف القيود.

أي نوع من الحرية يمكن أن يطلبه الإعلاميون؟

 يمكن لهؤلاء، حسب ظروفهم، البدء في زحزحة الثقل الجاثم على صدورهم، والذي تمارسه الرقابة المباشرة أو المقَّنعة على كل شيء، ابتداء من الصورة ومروراً بنوعية الموضوعات المتعلقة بما يسمونه "العادات والتقاليد"، وصولاً الى "المحرمات" التي هي عموماً وجهة نظر تعرضت للتوسعة على يد أهل السلطة. والرقابة العربية في زمن الإنترنت والفضائيات العالمية الداخلة كل بيت هي رقابة سخيفة وغبية، ذلك أن الحدث الخطير أينما حصل سيتم تداوله شاءت السلطات أم أبت، في حين أن التداول المهني والمسؤول للموضوعات العادية، سواء من حيث كشف حقائقها، أو التعاطي معها بنقد موضوعي، يساهم في تطوير المجتمعات، ويحول دون تعرضها لمفاجآت التطرف "الثوري" أو "الديني" أو "العسكري"، أو تحالف كل ذلك ضمن سلطة هجينة تدمج ما تقدم في نظام استخباراتي.

الرقابة هي الموضوع الأعم بين الإعلاميين، وهي سؤالهم الأبدي: ما حدود النشر؟ أما الحرية فسؤال آخر يختص به أولئك الذين قرروا أن المسؤولية الإعلامية كما أخلاق المهنة تعني العمل الجدي والطليعي لإزالة الخوف وإعلان أن قيمة الحرية أعلى من أي قانون وأهم من أي سلطة أو زعيم.

سؤال الحرية مطروح في العالم العربي، لكن بتفاوت. ومع أن معظم الدول من المحيط إلى الخليج تحتاج إلى من يهز فيها هذا السؤال، فإن الكثير من الإعلاميين ينكفئون أو يتواطؤون أو يستسلمون لقدر الاستتباع ولبؤس ترويض الكتابة وانتهاك قدسية الكلام بالمديح للحاكم والتدليس للنافذين والقادرين في المجتمعات.

سؤال الحرية في الإعلام هو الأساس. والحرية لا تكون من دون مضمون متقدم قوامه الديمقراطية وحرية الرأي وتكافؤ الفرص وتداول السلطة واحترام شرعة الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والنضال السلمي لتقدم المجتمعات. حرية بلا مضمون متقدم هي أقصر الطرق إلى الفوضى والعبث وضمان استمرار الاستبداد.

سؤال الحرية مطروح على الإعلام. لأن الصحافيين والمثقفين ووسائل تعبيرهم هم واجهة المجتمع ودافع تطوره، وليسوا فقط انعكاساً لما يجري فيه. لذا يبقى الإعلام صاحب رسالة مضمرة أو معلنة أو كامنة تحت رماد القمع أو الرقابة أو الاستكانة…. لكن إلى حين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات