إيران من المنظور الأمريكي

د. كينيث كاتزمان: إيران من المنظور الأمريكي

  • 13 مايو 2006

توصل العديد من الخبراء الاستراتيجيين، من خلال تأويلهم لتصريحات وإيماءات المسؤولين الأمريكيين، إلى أن الولايات المتحدة وإيران تتخذان مساراً صدامياً لا بد أن يؤدي إلى استخدام واشنطن القوة ضد المنشآت النووية الإيرانية، وربما أيضاً ضد جزء كبير من ترسانتها التقليدية. ويَفترض هذا التأويل أن سياسة إدارة بوش إزاء إيران لا تختلف عن تلك التي اتبعت ضد نظام صدام حسين، أي إن الولايات المتحدة تتمنى فشل الجهود الديبلوماسية حتى تتوافر لها الذريعة لتنفيذ عمل عسكري مخطط مسبقاً. ويعتقد البعض أن الإدارة تضع في حساباتها أن عملاً عسكرياً، حتى ولو اقتصر على ضربات جوية وصاروخية، يمكنه أن يعجل بحدوث انتفاضة شعبية من شأنها تحقيق الهدف الأمريكي المرجو منذ زمن طويل، ألا وهو الإطاحة بالنظام الجمهوري الإسلامي.

 تمثل هذه التصورات سوء فهم كبير لموقف الإدارة؛ إذ إنها لا تميل إلى إعاقة الجهود الديبلوماسية واللجوء إلى القوة، لإدراكها أن الشعب الأمريكي الآن يعتقد إلى حد كبير أن التدخل الأمريكي في العراق كان عملاً غير حكيم. وتعتقد الإدارة أنها إذا أرادت الحصول على دعم جماهيري وعالمي في حالة العمل العسكري ضد إيران، فلا بد لها من السعي للحل الديبلوماسي أولاً ثم اللجوء إلى العمل العسكري كحل أخير.

 كذلك تعتقد الإدارة أن العمل العسكري ضد إيران لا يضمن إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو حتى عرقلته بدرجة محسوسة. ووفقاً لحسابات الإدارة فإن إيران سترد بأساليب غير تقليدية؛ كالعمل الإرهابي، حيث تتمتع بقدرة كبيرة في هذا المجال. ومن ناحية أخرى، تتمتع الولايات المتحدة بما يعرف بـ "السيطرة في حالة التصعيد"، ويقصد بذلك القدرة الدائمة على إلحاق عقوبة عسكرية أكبر بإيران دون أن يتسنى لإيران الرد المتكافئ. بيد أن إيران لديها القدرة، من خلال موقعها ودورها كمنتجٍ رئيس للنفط، على إلحاق ضرر غير مرغوب بالاقتصاد الأمريكي. وبالإضافة إلى ذلك، من الممكن أن يطول أمد العمل العسكري، ومن ثمّ يكون على الجنود الأمريكيين الرد العسكري على أعمال الإيرانيين شهوراً عديدة أو أكثر.

على الرغم من أن الإدارة ترغب في تجنب العمل العسكري، فإنها لا تعتقد أن الديبلوماسية أو العقوبات الدولية قادرة على إثناء إيران عن عزمها المضي قدماً في برنامج ترى الإدارة بوضوح أنه يهدف إلى حيازة السلاح النووي. ومن المنظور الأمريكي، فإن إيران لو كانت منفتحة نحو حلٍ ديبلوماسي، لقبلت سلفاً بمقترحات التسوية التي عرضتها الترويكا الأوروبية (ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا)، أو ربما كانت قد قبلت العرض الروسي بالسماح لإيران بتخصيب اليورانيوم في الأراضي الروسية. كما أن الإدارة لا تعتقد أن الحوار المباشر مع إيران سيحدث تغييراً مادياً في مساعي إيران النووية.

السؤال هو ماذا يمكن للولايات المتحدة أن تفعل إذا ووجهت باختيار قاسٍ؛ القبول بإيران المسلحة نووياً، أو الدخول في عمل دراماتيكي، بما قد ينطوي عليه من لجوء إلى استخدام القوة، لمحاولة عرقلة البرنامج الإيراني. الأفكار التي تدور في واشنطن تتماشى إلى حدٍ كبير مع رأي السناتور جون ماكين، الذي عبر عنه في بعض التعليقات التي صدرت أخيراً؛ إذ قال إن الخيار الوحيد الأسوأ من العمل العسكري هو القبول بإيران مسلحة نووياً.

تعكس تعليقات ماكين، إلى حدٍ كبير، ما يدور من أفكار داخل الإدارة الأمريكية. ولما كانت الحرب قد ُشنت ضد العراق للقضاء على أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين، فليس من المرجح أن تقبل الإدارة بسلاح نووي إيراني دون الدخول في عمل عسكري. وعلى الرغم من أن الرئيس بوش مهتم بأن إرثه السياسي سيتضمن قيادة الولايات المتحدة في حرب مكلفة وصعبة مع العراق، فإنه لن يرغب أن يتضمن ذلك الإرث مشاهدة إيران وهي تصير دولة نووية في عهده. إلى هذا الحد، تكبّل الاضطرابات الشعبية حول الحرب في العراق خيارات الإدارة، ولكنها لا تحدث تغييراً في موقفها الذي يعتبر أن السلاح النووي الإيراني لا يمكن احتماله.

السؤال الذي يطرحه كثير من الخبراء، خاصة الأمريكيين، هو: لماذا تصر واشنطن على وقف برنامج السلاح النووي الإيراني بينما نجدها في الوقت ذاته تدلّل دولة نووية معروفة هي الهند التي ليست طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي؟ وآخرون يتساءلون، لماذا تميل الإدارة إلى العمل العسكري ضد إيران في حين لم تتخذ أي إجراء ضد كوريا الشمالية، رغم أن الفرصة قد تكون لا تزال مواتية لمنعها من أن تكون دولة نووية؟ كما أن الولايات المتحدة لم تلجأ للعمل العسكري لإيقاف البرنامج الباكستاني النووي، رغم أن بعض الخبراء أشاروا إلى أن باكستان توفر المأوى للمتطرفين الإسلاميين الذين يقاتلون في كشمير.

يكمن الجواب، بصفة أساسية، في طبيعة النظام الإيراني، وفي العداوة التي تجاوزت 25 عاماً بين الولايات المتحدة وإيران. وكثيراً ما يشير الديبلوماسيون الأمريكيون إلى أن إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي ليس بينها وبين الولايات المتحدة أي اتصالات رسمية. كما أنهم يلاحظون أن "إيران لم تعتذر قط عن احتلال السفارة الأمريكية في طهران، وأن إيران مسؤولة عن كثير من الأعمال الإرهابية ضد مواطني الولايات المتحدة، خاصة عبر الحركة المقربة منها، حزب الله اللبناني".

يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن سلاحاً نووياً إيرانياً سوف يحوّل ميزان القوة في الشرق الأوسط تحويلا كبيراً لمصلحة إيران، وهذا ما سيضاعف الفوائد الاستراتيجية التي جنتها إيران من إطاحة الولايات المتحدة حركة "طالبان" في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق. فالمسؤولون الأمريكيون لا يعتقدون بالضرورة أن إيران ستطلق قذيفة نووية ضد إسرائيل أو أي دول أخرى. ولعل ما يخشونه هو أن يفتح السلاح النووي الإيراني الباب على مصراعيه لسباق تسلح يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الخليج خاصة والشرق الأوسط عامة، وتعزيز جهود إيران الرامية إلى تربعها كقوة رئيسة في الخليج. ومن جهة أخرى، سيلغي ظهور إيران المسلحة نووياً دور الولايات المتحدة كضامن أساسي لأمن الخليج، وهذا ما يبدو غير مقبول للإدارة. ونظراً لهذه الاعتبارات، فإن الإدارة إذا ما ووجهت بالاختيار بين قبول إيران نووية أو الدخول في عمل عسكري يهدف إلى إيقاف البرنامج الإيراني، فالأرجح أن تختار العمل العسكري.

ومع ذلك، من المرجح أن تسلك الإدارة كافة السبل التي يمكن أن تجنبها خيار المواجهة، ومن المرجح أن تعطي فرصة كافية، ربما تمتد عاماً أو أكثر، للجهود الديبلوماسية والعقوبات الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، ستحاول الإدارة الضغط على النظام داخلياً بتمويل النشطاء الداعين لنشر الديمقراطية، رغم أن قليلين في الإدارة هم الذين يعتقدون أن ذلك المنهج سيسفر عن تغيير أساسي في إيران في المدى القصير أو الطويل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات