إعدام صدام .. دلالات التوقيت وتداعياته المحتملة

عادل رشيد: إعدام صدام .. دلالات التوقيت وتداعياته المحتملة

  • 2 يناير 2007

لم يكن أحد يساوره أي شك في إصرار الأمريكيين والحكومة العراقية على تنفيذ حكم الإعدام بحق الرئيس العراقي السابق "صدام حسين"، لاسيما بعد تأييد محكمة التمييز العراقية لهذا الحكم والمطالبة بتنفيذه في مدة لا تتجاوز الشهر، غير أن الطريقة الثأرية التي تمت بها عملية الإعدام، والتوقيت الذي اختير لتنفيذه، أثارا الكثير من علامات الدهشة والاستغراب، وعززا المخاوف من تأجيج الحرب الطائفية المشتعلة أصلاً في العراق، بعد أن رأت الطائفة السنية في طريقة الإعدام وتوقيتها "إهانة متعمدة لها" ودليلاً على طائفية هذه الحكومة.

لقد عكس الأسلوب الذي تم به تنفيذ حكم الإعدام سيطرة المشاعر الطائفية والرغبة العميقة في الثأر من صدام على القائمين بتنفيذ هذا الحكم، ومعظمهم من عناصر التيار الصدري؛ حيث كشفت اللقطات التي بثتها وسائل الإعلام المختلفة عن بعض الاستفزازات التي تعرض لها صدام وهو على منصة الإعدام، ومن بينها تعالي الأصوات المؤيدة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وهي الأصوات التي استهجنتها حتى أكثر المحطات الإعلامية تطرفاً نحو اليمين مثل قناة "فوكس نيوز" الأمريكية، فيما اعتبرها بعض السنة "رسالة ثأر وتشفٍ شيعية" موجهة لهم!!. كما عزز تنفيذ الحكم في فجر أول أيام عيد الأضحى المبارك، أحد أهم الأيام المقدسة عند المسلمين، من وجود هذه الرغبة الثأرية الطائفية.

وقد أثارت طريقة تنفيذ الحكم وتوقيتها ردود أفعال متباينة، جاءت في معظمها غاضبة ومنتقدة، ففي داخل العراق عمت مظاهر البهجة والفرح المناطق التي يقطنها الشيعة والأكراد، والذين اعتبروا أن تنفيذ الحكم يمثل تطبيقاً للعدالة وإنصافاً لها، فيما عمت مظاهر الحزن والغضب المناطق السنة، وأصدرت هيئة العلماء المسلمين السنة بياناً اعتبرت فيه أن الإعدام عملية سياسية محضة لم تراع فيها مصلحة الشعب العراقي، وأن اختيار عيد الأضحى المبارك لتنفيذ الحكم "جاء لاعتبارات مبنية على ضغائن وأحقاد شتى ورغبات شاذة في الإثارة والاستفزاز للسنة".

وعلى المستوى الإقليمي، رحبت إيران وإسرائيل بتنفيذ الحكم واعتبرتاه "إحقاقاً للعدل"، فيما أدانت الدول العربية ?باستثناء الكويت- توقيت تنفيذ الحكم واعتبرت أنه يمس بمشاعر المسلمين، ودعت الأطراف العراقية المختلفة إلى تجاور الآثار السلبية التي قد تؤثر على تماسك الشعب العراقي جراء تنفيذ الحكم في هذا التوقيت، والذي اعتبره المجلس التشريعي الفلسطيني "جريمة بشعة وإهانة بحق الأمتين العربية والإسلامية"، وأقامت بعض المنظمات النقابية والحقوقية والحزبية في العالم العربي مجالس عزاء لتقبل التعازي في صدام، معتبرة أن الإقدام على هذه الخطوة في هذا التوقيت يمثل تحدياً لمشاعر المسلمين، ويؤجج نار الفتنة الداخلية في العراق.

وعلى المستوى الدولي، اعتبر الرئيس الأمريكي إعدام صدام "خطوة مهمة على طريق الديمقراطية في العراق"، معترفاً بأن ذلك لن ينهي دوامة العنف في هذا البلد، وهو الموقف نفسه الذي تبنته بريطانيا وأستراليا واليابان، فيما انتقد الاتحاد الأوروبي هذه الخطوة انطلاقاً من رفضه لعقوبة الإعدام بشكل عام، ووصف رئيس الوزراء الإيطالي تنفيذ حكم الإعدام بأنه "عمل لاإنساني، واعتبره الفاتيكان "خبراً مأساوياً"، محذراً من خطر أن يغذي روح الانتقام ويسبب أعمال عنف جديدة، وحذرت روسيا من أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الوضع الأمني وزيادة التوترات العرقية والطائفية، كما أدانت الهند وماليزيا ومنظمة المؤتمر الإسلامي وكثير من الدول الأخرى تنفيذ حكم الإعدام.

ويرجع بعض المراقبين إسراع الحكومة العراقية إلى تنفيذ الحكم بإعدام صدام قبل استكمال محاكمته في كافة القضايا المتهم فيها كما كان مقرراً، إلى عدة عوامل، منها: اعتقادها بأن إعدامه سيوجه ضاربة قاسية للجناح المتشدد من حزب البعث المنحل وعناصر المقاومة قد تدفعهم لإعادة النظر في مواقفهم والانخراط في العملية السياسية، كما أرادت الحكومة أن تضع حداً للرهانات على احتمال عودة صدام أو أي من أتباعه للسلطة مجدداً، خاصة أن بعض القوى السنية كانت قد بدأت تطرح موضوع الإفراج عنه على جدول الاجتماعات، بل إن البعض توقع ألا يتم إعدام صدام وأن الأمريكيين قد يلجؤون للاستعانة به مع استمرار تدهور الوضع في العراق، وقد عبر المالكي عن ذلك صراحة بقوله: "تنفيذ حكم الإعدام يمثل نهاية لكل الرهانات الخائبة على عودة الديكتاتورية ونظام الحزب الواحد"، فيما رأى آخرون أنه ?أي المالكي- أراد بذلك تحسين علاقته مع التيار الصدري، والتي كانت قد تضررت كثيراً بعد اللقاء الذي جمعه مع بوش في عمًان؛ حيث علق التيار مشاركته في الحكومة والبرلمان، ولعل ذلك هو ما يفسر سبب قيام عناصر من التيار الصدري بتنفيذ الحكم بهذه الطريقة المشار إليها. كما أدركت الحكومة العراقية أن الإبقاء على صدام واستمرار محاكمته التي برز فيها قوياً سيزيد من شعبيته ويبني له قاعدة جماهيرية لم تكن موجودة من قبل.

وهناك اتجاه آخر يرى أن التعجيل بالحكم جاء بناء على رغبة أمريكية، لتحقيق عدة أهداف منها: تحقيق نصر، ولو معنوياً، للإدارة الأمريكية التي اعترفت أخيراً بفشل حربها في العراق، وتوجيه ضربة معنوية لقوى المقاومة السنية، لاسيما مع تزايد الخسائر في صفوف القوات الأمريكية والتي تجاوزت في نهاية العام 2006 حاجز الثلاثة آلاف قتيل، منهم 112 قتيلاً في شهر ديسمبر وحده وهو أكبر معدل شهري منذ العام 2004، كما يرى البعض، وخاصة من الأكراد والإيرانيين، أن الولايات المتحدة أرادت أن تضع حداً لمحاكمات الرئيس العراقي السابق على باقي جرائمه لمنع الكشف عن دورها في مساعدته في هذه الجرائم، فيما رأى آخرون أن توقيت تنفيذ الحكم يمثل رسالة أمريكية إلى قادة ومسؤولي دول المنطقة، بأن هذا المصير سيكون هو مصير أي نظام لا يستجيب للرغبات الأمريكية!.

وأياً كان المبرر في التعجيل بتنفيذ حكم الإعدام، والجهة الواقفة خلفه، فإن الأمر الأكيد هو أن تنفيذ الحكم بهذه الطريقة الثأرية وفي هذا التوقيت لا يخدم مصلحة العراق، فالاعتقاد بأن إعدام صدام سيمثل ضربة للقوى المتشددة ويقلل من أعمال العنف هو اعتقاد خاطئ؛ لأن المقاومة السنية لا يحركها صدام، وهذا الأخير فقد أي تأثير له على الساحة الأمنية والسياسية العراقية منذ اعتقاله قبل ثلاث سنوات، وبالتالي فإن إعدامه لن يؤثر كثيراً على الوضع الأمني المتردي، بل على العكس قد يدفع باتجاه مزيد من التدهور في الأوضاع وإذكاء روح الانتقام والثأر في أوساط السنة العرب، الذين رأوا في عملية الإعدام تلك إهانة لهم ولمشاعرهم، ومن ثم زيادة أعمال العنف وتأجيج الحرب الطائفية. وقد يمتد هذا الاحتقان الطائفي بين السنة والشيعة إلى خارج العراق، بعد أن رأى كثير من المسلمين السنة أن إعدام صدام على أيدي بعض العناصر الشيعية في أول أيام عيد الأضحى ودون مراعاة لمشاعر المسلمين أو حرمة هذا اليوم، يمثل إهانة للأمتين العربية والإسلامية. والأهم من كل ذلك أن إعدام صدام بهذه الطريقة جعل منه شهيداً وبطلاً للكثيرين داخل العراق وخارجه، وحول الكثير من الناس من الناقمين والساخطين عليه بسبب جرائمه إلى متعاطفين معه.

لقد أطلقت الحكومة العراقية رصاصة الرحمة على مشروع المصالحة الوطنية، فبعد أيام قليلة من مؤتمر المصالحة الذي نظمته في العاصمة بغداد ودعت فيه على لسان المالكي إلى اتخاذ قرارات جريئة لتحقيق هذه المصالحة مثل إعادة النظر في قرار اجتثاث البعث والسماح بعودة البعثيين إلى الجيش والشرطة، وهي التصريحات التي جعلت الكثيرين يتفاءلون بإمكانية وضع حد لحالة العنف والفوضى التي يشهدها العراق منذ احتلاله، جاء تنفيذ حكم الإعدام، ليؤكد طائفية هذه الحكومة، ويؤكد أن المالكي نفسه ليس رجل الدولة الذي يستطيع أن يقود مشروع المصالحة على الساحة العراقية بعد أن غلبت عليه روح الانتقام والتشفي في إعدام صدام في هذا التوقيت وبهذه الطريقة.

ليس هناك خلاف كبير على أن صدام يستحق عقوبة الإعدام نتيجة الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه وجيرانه وأمته، ولكن أسلوب تنفيذ هذه العقوبة وتوقيتها، بكل ما يمثله من إهانة واستخفاف بمشاعر السنة العرب، قد يرتب تداعيات وآثاراً سلبية خطيرة على مصير العراق ومستقبله ووحدة وتماسك أبنائه وطوائفه، وهو ما يستدعي سرعة التحرك لمعالجة الآثار النفسية التي سببتها عملية الإعدام الثأرية تلك، ومحاولة فتح صفحة جديدة لإنقاذ العراق، الذي يتعرض بأكمله، شعباً وحضارة وثقافة وتاريخاً، لعملية إعدام منظمة تجري على قدم وساق!!.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات