إصلاح التعليم في الإمارات.. طموحات منتظرة

محمد خلفان الصوافي: إصلاح التعليم في الإمارات.. طموحات منتظرة

  • 6 مايو 2007

تفيد المتابعة الدقيقة لحال التعليم في الإمارات من: واقع "استراتيجية التمكين"، التي أعلنها صاحب السمو الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم"، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، وأيضاً، من واقع تصريحات الفعاليات المجتمعية والشكاوى المنشورة للقائمين على العملية التعليمية، بأننا أصبحنا "أمة في خطر"، بحسب الاصطلاح الذي ورد في عنوان التقرير الاستراتيجي الأمريكي عن التعليم عام 1983.

إشكالية التعليم في الإمارات، كما شخصتها "استراتيجية التمكين" والكتابات اليومية، لا تقتصر فقط، على أنه تعليم متواضع، لا يواكب المرحلة التي وصلتها دولة الإمارات في المجالات المختلفة، وأنه يمثل تحدياً للطالب نفسه، الذي بات يحتاج إلى إعادة التأهيل، قبل دخوله الجامعة أو سوق العمل، وبدون هذا التأهيل لا يصلح للاثنين. بل إن القرارات التعليمية نفسها تظهرنا في كثير من الأحيان، وكأننا لا نمتلك "رؤية تعليمية" حول نوع التعليم الذي نسعى إليه ونعمل من أجله، أو نخطط له، فيجد المراقب أنه بين مرة وأخرى نقوم بتجربة نظام تعليمي سرعان ما نقوم بتغيره واستبداله بنظام آخر.

معاناة وزارة التربية والتعليم من المشاكل والتحديات التي واجهتها ومازالت، خلال الفترات السابقة والحالية، هو حديث الناس اليوم في الإمارات وفي الصحافة. بل إن عدم الوضوح في حل المشاكل التي لها علاقة مباشرة بجوهر العملية التعليمية بالدولة، كالمناهج مثالاً، هو الشغل الشاغل لكل من له علاقة بالعملية التعليمية؛ القيادة السياسية والقيادة التربوية وأولياء الأمور والطلبة، بسبب التخبط في القرارات التعليمية. ومع أنه كان يفترض من الجميع، وزارة التربية والتعليم والمجتمع، أن يكونوا قد استوعبوا الدروس من خلال التجارب الماضية، وكان هذا هو فعلاً الطموح والتوقع من الوزارة الحالية، إلا أن معاناة العملية التعليمية بالدولة مازالت مستمرة، بل ربما تفاقمت في نظر الكثيرين عن ذي قبل..!

افتقد المجال التربوي، عملياً، إلى الجهد الجماعي، رغم توافر الرغبة في إشراك الجميع في عملية صياغة القرار التعليمي، والمقصود بالجميع هنا الميدان التربوي؛ مدراء المناطق؛ المدرسين، والمجتمع. ولكن مع مرور الأيام تحولت القضية إلى مسألة فردية، أثرت على تحصيل الطالب خاصة في المرحلة الثانوية، التي هي محور التغيير. وأثبتت التجارب الميدانية، كما نقلها أصحاب التجارب الناجحة، أن القرار التعليمي، كي يكون قراراً موضوعياً وناجحاً لا بد له أن يكون ضمن فريق متكامل تشترك فيه القيادة التعليمية بالميدان والمجتمع، لذا كانت المطالبة بأن يدرس القرار التعليمي ضمن "مجلس أعلى للتعليم"، باعتبار أن التعليم قضية استراتيجية تخدم الدولة كاملة، وأن يكون القرار في هذا المجلس مركزياً، مع السماح في التنفيذ بقدر أكبر من اللامركزية، حتى إلى مستوى مدراء المدارس، كما هو حاصل بدولة قطر في تجربة المدارس المستقلة.

تعيش البيئة التعليمية في الإمارات -وزارة التربية والتعليم، المناطق التعليمية، الميدان التربوي- توتراً وتخبطاً بسبب الخطط التطويرية؛ التي تأتي على شكل قرارات غير مدروسة بعمق؛ فهناك حالة استياء عامة تسيطر على البيئة التعليمية نتيجة للكثير من القرارات التي تصدر من الإدارة التعليمية العليا في الوزارة، ويمكن ملاحظة تلك الحالة من خلال حجم الاستقالات لهيئة التدريس والإداريين، ومن خلال حجم الكتابات النقدية لكتاب الرأي في الصحافة المحلية والمنتديات الإلكترونية، وكذلك من خلال الاحتكاك اليومي مع الميدان التربوي. ورغم أن هذه الحالة ليست بجديدة على القطاع التعليمي في الدولة، فإن حجم الرهان في المرحلة الحالية على إصلاح التعليم وإشراك الميدان ونقل الخبرات العالمية كان كبيراً. لكن الفجوة مازالت كبيرة بين قمة الهرم التعليمي بالدولة وبين الميدان التربوي. وهذا هو ما لاحظناه خلال مؤتمر "الإصلاح المدرسي" في دبي، ما دفع الكثيرين إلى المطالبة بأن يلعب الإعلام دوره المنشود في الكشف عن نقاط القوة والضعف في مسار العملية التعليمية.

وبما أن الكلام هنا حول إصلاح التعليم في دولة الإمارات، فإن الأمر بلا شك سيقودنا إلى التطرق لأبرز المشاكل التي لها علاقة بإصلاح الموضوع التعليمي، وعلى رأسها المطالبات الخاصة بمراجعة المناهج التعليمية، لاسيما بعد بروز بعض أوجه القصور في المناهج القائمة. وهناك أيضاً المشاكل المتعلقة بالرواتب والكادر الوظيفي من تعيينات واستقالات وتطوير القدرات التعليمية، وهذه المشاكل رغم أهميتها، إلا أنها مشاكل إدارية أكثر مما هي مرتبطة بالسياسة التعليمية. وقد أثارت هذه القضايا الكثير من الجدل واللغط، وأسهمت الوزارة نفسها في تأجيج الأمر وتضخيمه.

والمشكل الأبرز في هذا الصدد هو عدم استعداد الكادر التعليمي لتطبيق المناهج الجديدة؛ حيث يجد المدرسون صعوبة في التعامل مع المناهج الجديدة "المطورة"، وقد أثار هذا الأمر قلقاً لدى أولياء الأمور الذين لهم أبناء في المرحلة الأخيرة من التعليم وأوشكوا أن يدخلوا أبواب الجامعة، لاسيما أن النتيجة النهائية في المرحلة الثانوية هي التي ستقرر مستقبل الطالب، ما أدى إلى تفاقم ظاهرة الدروس الخصوصية التي كان القضاء عليها أحد أهداف تطوير نظام الثانوية العامة.

لقد تحول عجز المعلمين في التعامل مع المناهج الجديدة من دهاليز التربية إلى المجتمع، وغذّى هذا الأمر، النظرة السلبية تجاه التطوير وآليات العمل وتحول الإصلاح التعليمي إلى مشكلة وقضية رأي عام. واللافت في الجدل الدائر حول التعليم أن هناك تضخماً واضحاً في الإشكاليات التي تعانيها الوزارة، والملاحظ كذلك أن النقاش حول التعليم كثيراً ما يبتعد عن الثوابت الأساسية للتعليم ويخوض في التفاصيل حتى صار من الصعب حصر الأمور وتحديد الأولويات، حتى وجدت الوزارة نفسها في دوامة الجدل، التي لم تستطع فيها تحديد ملامح العملية التطويرية لها، ما أثر سلباً على العملية الإصلاحية كلها، وبقي التطوير يراوح في مكانه. والسبب المباشر كما نعتقد يتمثل في عدم وجود استراتيجية واضحة ومحددة المعالم والأهداف وتقوم على برنامج زمني للتطوير؛ إذ إن الأمور -كما هو واضح- متروكة للاجتهادات الفردية وربما للمصادفة؛ لأن قيادات التربية مشتتة وغارقة في تفاصيل مثل زيادة أيام العام الدراسي والعطلات وصيانة المباني المدرسية ومكيفات المدارس وغير ذلك من أمور تبدو ضرورية ولكنها ليست في مستوى أهمية التركيز على التطوير بالمعنى الشامل لكل مفردات العملية التعليمية… من مناهج، وبيئة مدرسية، وهيئة تعليمية.

إذا كان تشخيص، صاحب السمو الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم" لحال التعليم في استراتيجية التمكين، قبل أسبوعين دليل الاهتمام بالعملية التعليمية في الدولة على أعلى المستويات السياسية، فإنها مناسبة أيضاً، للحديث عن أهمية وجود استراتيجية تعليمية وطنية لا تتغير بتغير الوزراء.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات