أي أسعار للنفط يحتاج إليها العالم؟

  • 19 مارس 2005

إذا ما قيس قرار رفع السقف الإنتاجي الذي اتخذته منظمة "أوبك" في اجتماعها الأخير بردة فعل السوق المباشرة، فيمكن القول إنه قد أخفق في تحقيق هدفه المباشر وهو لجم صعود الأسعار. فقد شهدت أسواق النفط ارتفاعا حادا في الأسعار في اليوم التالي لاتخاذ القرار دفعها إلى تجـاوز الـ 57 دولارا للبرميل من الخام الأمريكي الخفيف و55 دولارا من خام برنت الأوروبي، في حين لم يعد المحللون يستبعدون بلوغها 60 دولارا خلال الأيام المقبلة. ومع ذلك فإن قرار رفع سقف الإنتاج بنحو نصف مليون برميل يوميا مع ترك الاحتمالات مفتوحة أمام زيادته مجددا وبالكمية نفسها خلال الأيام المقبلة في حال بقاء الأسعار عند مستوياتها المرتفعة، قد مثل تحولا مهما في موقف الدول الأعضاء نحو تبني الاقتراح السعودي الذي رأى ضرورة زيادة سقف الإنتاج. فقبل انعقاد الاجتماع أبدت بعض الدول الأعضاء رغبة في الإبقاء على سقف الإنتاج من دون تغيير بحجة وجود ما يكفي من إمدادات في الأسواق تلبي الطلب الفعلي القائم وبحجة أن الجزء الأكبر من الارتفاع في الأسعار يرجع إلى عوامل المضاربة. ولكن مهما تكن طبيعة ردة فعل السوق الفورية، فإن رفع السقف الإنتاجي يعد خطوة دفاعية ضد مزيد من الصعود أو الاضطراب في أسواق النفط في المدى المتوسط، وهي كل ما تستطيع "أوبك" عمله ضمن أوضاع ومستجدات السوق النفطية في الوقت الحاضر. صحيح أن هذا القرار قد لا ينعكس بالضرورة بزيادة فعلية في الإمدادات إذا أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة أن "أوبك" تنتج الآن ما يفوق حتى السقف الإنتاجي الجديد، إلا أنه يعد، بالإضافة إلى ما ردده غالبية وزراء المنظمة، محاولة من "أوبك" لتطمين الأسواق بأن أسعار النفط المرتفعة تمثل قلقا لدى المنتجين لا يقل عن قلق المستهلكين.

وعلى الرغم من القلق الفعلي من آثار الأسعار الحالية على الاقتصاد العالمي، فإنه يتعين ألا يغيب عن بال الدول المنتجة حقيقة أن هذا الاقتصاد قد أصبح أقل عرضة مما كان عليه في السابق للتأثر سلبا بأسعار النفط المرتفعة، كما ظهر في التوقعات الأخيرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي. إلى جانب ذلك، وخلافا للهزات النفطية السابقة، فإن الارتفاع الحالي في أسعار النفط لم ينجم عن نقص أو اضطراب في الإمدادات بل عن ارتفاع في الطلب العالمي يعكس في نهاية المطاف ازدهارا في النمو الاقتصادي. وعلى هذا الأساس يتعين على الدول المنتجة أن تنظر إلى الأسواق بقدر أكبر من الواقعية المتجردة عما تعودت عليه بسبب أوضاع سوق النفط السابقة، وأن ترى بأن هناك مستجدات هيكلية في الاقتصاد العالمي تجعل من مصدر النفط أكثر أهمية وضرورة في تغذية عجلة هذا الاقتصاد. بعبارة أخرى، وخلافا لكل التوقعات التي تشاءمت بمستقبل النفط في خليط الطاقة العالمي، فإن ازدهار النمو الاقتصادي كفيل بأن يجعل من النفط مصدرا أكثر أهمية للعالم وبالتالي أغلى ثمنا.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات

أي أسعار للنفط يحتاج إليها العالم؟

  • 19 مارس 2005

إذا ما قيس قرار رفع السقف الإنتاجي الذي اتخذته منظمة "أوبك" في اجتماعها الأخير بردة فعل السوق المباشرة، فيمكن القول إنه قد أخفق في تحقيق هدفه المباشر وهو لجم صعود الأسعار. فقد شهدت أسواق النفط ارتفاعا حادا في الأسعار في اليوم التالي لاتخاذ القرار دفعها إلى تجـاوز الـ 57 دولارا للبرميل من الخام الأمريكي الخفيف و55 دولارا من خام برنت الأوروبي، في حين لم يعد المحللون يستبعدون بلوغها 60 دولارا خلال الأيام المقبلة. ومع ذلك فإن قرار رفع سقف الإنتاج بنحو نصف مليون برميل يوميا مع ترك الاحتمالات مفتوحة أمام زيادته مجددا وبالكمية نفسها خلال الأيام المقبلة في حال بقاء الأسعار عند مستوياتها المرتفعة، قد مثل تحولا مهما في موقف الدول الأعضاء نحو تبني الاقتراح السعودي الذي رأى ضرورة زيادة سقف الإنتاج. فقبل انعقاد الاجتماع أبدت بعض الدول الأعضاء رغبة في الإبقاء على سقف الإنتاج من دون تغيير بحجة وجود ما يكفي من إمدادات في الأسواق تلبي الطلب الفعلي القائم وبحجة أن الجزء الأكبر من الارتفاع في الأسعار يرجع إلى عوامل المضاربة. ولكن مهما تكن طبيعة ردة فعل السوق الفورية، فإن رفع السقف الإنتاجي يعد خطوة دفاعية ضد مزيد من الصعود أو الاضطراب في أسواق النفط في المدى المتوسط، وهي كل ما تستطيع "أوبك" عمله ضمن أوضاع ومستجدات السوق النفطية في الوقت الحاضر. صحيح أن هذا القرار قد لا ينعكس بالضرورة بزيادة فعلية في الإمدادات إذا أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة أن "أوبك" تنتج الآن ما يفوق حتى السقف الإنتاجي الجديد، إلا أنه يعد، بالإضافة إلى ما ردده غالبية وزراء المنظمة، محاولة من "أوبك" لتطمين الأسواق بأن أسعار النفط المرتفعة تمثل قلقا لدى المنتجين لا يقل عن قلق المستهلكين.

وعلى الرغم من القلق الفعلي من آثار الأسعار الحالية على الاقتصاد العالمي، فإنه يتعين ألا يغيب عن بال الدول المنتجة حقيقة أن هذا الاقتصاد قد أصبح أقل عرضة مما كان عليه في السابق للتأثر سلبا بأسعار النفط المرتفعة، كما ظهر في التوقعات الأخيرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي. إلى جانب ذلك، وخلافا للهزات النفطية السابقة، فإن الارتفاع الحالي في أسعار النفط لم ينجم عن نقص أو اضطراب في الإمدادات بل عن ارتفاع في الطلب العالمي يعكس في نهاية المطاف ازدهارا في النمو الاقتصادي. وعلى هذا الأساس يتعين على الدول المنتجة أن تنظر إلى الأسواق بقدر أكبر من الواقعية المتجردة عما تعودت عليه بسبب أوضاع سوق النفط السابقة، وأن ترى بأن هناك مستجدات هيكلية في الاقتصاد العالمي تجعل من مصدر النفط أكثر أهمية وضرورة في تغذية عجلة هذا الاقتصاد. بعبارة أخرى، وخلافا لكل التوقعات التي تشاءمت بمستقبل النفط في خليط الطاقة العالمي، فإن ازدهار النمو الاقتصادي كفيل بأن يجعل من النفط مصدرا أكثر أهمية للعالم وبالتالي أغلى ثمنا.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات