أمريكا في العراق: محاولات متأخرة للتصحيح

عبدالوهاب بدرخان: أمريكا في العراق: محاولات متأخرة للتصحيح

  • 7 نوفمبر 2006

تصعب معرفة عدد الناخبين الأمريكيين الذين سيحسمون أمرهم لمصلحة المرشحين الجمهوريين متأثرين بحكم الإعدام للرئيس العراقي السابق، لكن هناك شبه إجماع بين المحللين على القول إن توقيت إعلان الحكم ليس بريئاً. ذلك أن إدارة الرئيس "جورج بوش" تصرفت بذهنية الترحيب بأي شيء، بأي حدث، يمكن أن يساعدها في دعم مرشحي الحزب الجمهوري، وكذلك في إنقاذ سياستها العراقية من سمعة الفشل الفادح ومخاطر الغرق والانهيار.

أقرب المقربين من الإدارة يقدمون وصفاً دراماتيكياً لما هو عليه الحال داخل البيت الأبيض، تحديداً بسبب العراق، فضلاً عن مسلسل الفضائح الجانبية التي ساهم التنافس الانتخابي في كشفها. حتى إن أحدهم لفت إلى خطورة ضياع البوصلة وصعوبة الحد من الأخطاء خلال السنتين المتبقيتين لولاية بوش، لأن معظم أعضاء الإدارة سينشغل بتدبير مستقبله من دون أن يشكل العمل مع هذه الإدارة مرجعية مزكية في الترشيح لوظائف أخرى.

والآن، حتى أقطاب اليمين المحافظ لم يعودوا يخفون انتقاداتهم القاسية للرئيس "بوش" وأعوانه المباشرين. ولم يتردد "ريتشارد بيرل"، أحد أهم المخططين والمحرضين على شن الحرب على العراق، في القول إنه "لو كان يعرف" أن القرارات ستتخذ وتنفذ على هذا النحو لكان طلب التريث ودعا إلى مزيد من التدقيق في المعطيات المبررة للحرب.

أي ردود فعل على الحكم بإعدام "صدام حسين" لن تكون أقل أو أكثر عنفاً ومأساوية مما شهده العراق حتى اليوم، بل لم يعد مصير الرئيس السابق هو المسألة، وإنما مصير العراق نفسه. فمنذ الغزو والاحتلال، وحتى قبلهما، كانت التحليلات والتحذيرات واضحة في تحديد الأخطاء. لكن سلطة الاحتلال ارتكبت كل الأخطاء وحصدت النتائج المتوقعة وأضاعت كل الفرص لتصحيح تلك الأخطاء فلم يبق لها الآن سوى إدارة الحرب الأهلية، بوعي أو من دون وعي. وأكد الأمريكيون، من خلال الاتصالات السرية والعلنية التي يجرونها، أنهم أدركوا مثلاً خطأ حل الجيش السابق وقوى الأمن، وخطأ الإقصاء الجماعي والمنهجي لكل من عمل أو كان موظفاً في دولة النظام المخلوع، وخصوصاً خطأ نصرة فئة مذهبية ضد فئة مذهبية أخرى، فضلاً عن التهاون حيال مشاريع تقسيم العراق.

هناك "رهان" داخل إدارة بوش على ما بات يسمى "خطة بيكر"، نسبة إلى وزير الخارجية السابق الذي ترأس بعثة أمريكية لتقصي الحقائق واقتراح حلول. وإذ ارتؤي عدم إعلان هذه الخطة قبل الانتخابات النصفية، لئلا تتحول مادة للجدل الانتخابي، إلا أن عنوان "تحقيق الاستقرار" الذي تبنته الخطة يشير عملياً إلى ضرورة التعامل مع الحقائق التي فرضتها التطورات، وبالتالي فإن أكثر ما تتجنبه هذه الخطة هو التشجيع على كسر ظواهر الأمر الواقع التي فرضت نفسها هنا وهناك. ولم يعد سراً أن المسيرة الطبيعية لهذا الأمر الواقع ستقود حتماً إلى تقسيم فعلي للبلاد، وإلى نشوء كيانات مذهبية متنابذة. ويستدل من الاتصالات الأمريكية الراهنة مع البعثيين وممثلي العشائر السنـّة أن النهج السابق الذي اتبعته الإدارة لم يمكن فقط متسرعاً وإنما كان خصوصاً "ضد المصلحة" وفقاً للمعيار الأمريكي المعروف.

المشكلة أن واشنطن ذهبت إلى الحرب متكاتفة مع أطراف عراقية لها أجندات خاصة ومتناقضة، وكانت هذه الأجندات مكشوفة إلا أن المخططين الأمريكيين لم يشؤوا الاهتمام بها أو درس انعكاساتها المستقبلية على الوضع السياسي والأمني والاجتماعي للعراق. وحتى قبل إجراء الانتخابات كانت هذه الأطراف قد أنجزت هيمنتها على "مشروع الدولة" الناشئة مختارة أن تقمع مناطق عراقية كاملة، وبالتالي مستثيرة حال المقاومة التي لم تلبث أن تصاعدت وتعمقت. وفي غياب سياسة أمريكية واضحة، أصبحت سياسات هذه الأطراف هي التي تقود العراق سواء بالتصعيد الأمني أو بالشطط السياسي، حتى أصبح مصير البلد نهباً للنزوات والثارات والمصالح الفئوية الضيقة. وعلى رغم الاعتراضات على مشاريع الفدرلة لوسط العراق وجنوبه، فإن الأكثرية البرلمانية، الشيعية?الكردية، أصرت على تمريرها ولو بالاحتيال على المعترضين.

في أحسن الأحوال لن تخرج المعالجات الأمريكية، عن إطار تكريس الأمر الواقع ومحاولة بيعه لأطراف المقاومة والمؤيدين لها مع شيء من المغريات. وذلك لسببين رئيسيين: أولهما: أنه لم يعد هناك سبيل للعودة إلى الوراء، والثاني: لأن أولوية الإدارة الأمريكية هي حالياً لإيجاد الظروف الملائمة للانسحاب من أوحال العراق. لا عودة إلى الوراء لأن الفيدرالية التي انتزعها الأكراد شكلت خطوة حاسمة نحو تفتيت وحدة العراق. أما الانسحاب فلا أحد يتصور أنه سيكون كاملاً وشاملاً، باعتبار أن الصراع الإيراني-الأمريكي في العراق أوجد سبباً آخر استراتيجياً للتورط الأمريكي ولاستمراره. وبديهي أن هذا الصراع هو ما استدعى تعميق الاتصالات الأمريكية مع السنـّة، بعضها الأكبر في الأردن وبعضها الآخر في لبنان؛ إذ إن الأمريكيين يريدون إغلاق ملف المقاومة لكي يتصدوا لمعالجة التغلغل الإيراني في العراق. لكن إنهاء المقاومة قد يتطلب المرور بدمشق التي تدعم حال المقاومة في الأنبار، وبالتالي فإنها تتوقع ثمناً كبيراً لأي اتفاق بين الأمريكيين والبعثيين والعشائر. وإذا أهمل الأمريكيون البعد السوري لهذا الملف فإنهم يجازفون بتعريض أي اتفاق للفشل.

وفي الوقت الذي تتابع الأطراف العراقية المهيمنة توجهها إلى التقسيم، تزداد في واشنطن مؤشرات الانقسام داخل إدارة بوش مما يضعف قدرتها على التحكم بمجريات الأمور. وبين مواجهة الانهيارات الأمنية والسياسية في العراق، ومواجهة الملف النووي الإيراني، لا يبدو أن أحداً في واشنطن يهتم بالتفكير في التداعيات الإقليمية لهذين الوضعين وانعكاساتها على دول المنطقة، خصوصاً دول الخليج العربي. فمن جهة لن يبقى تقسيم العراق بلا أي أثر على استقرار جيرانه العرب والأتراك وحتى الإيرانيين والسوريين، ومن جهة أخرى سيرتب حل الأزمة النووية الإيرانية أوضاعاً جديدة في الإقليم كيفما كانت الطريقة التي ستستخدم لهذا الحل. فإما اتفاق أمريكي?إيراني وإما مواجهة عسكرية، وفي الحالين سيضطر جيران العراق وإيران لتحمل أعباء أزمة لم يكونوا طرفاً فيها.

الأكيد أن المنهج المتبع حالياً لمعالجة الوضع العراقي لن ينقذ الأمريكيين من إرباكات الفخ الذي أوقعوا أنفسهم فيه. فعلى رغم إدراكهم أن البعد العربي في العراق لا يمكن استبعاده أو تجاهله، إلا أنهم بدؤوا بثني العرب عن التدخل ثم انتقلوا إلى حضّهم على المساعدة من دون أن يقدموا أي عناصر جديدة لإنجاح أي مبادرة عربية. كذلك يمتنع الأمريكيون، على رغم النصائح الكثيرة عن التحدث مع إيران، مع علمهم بأن لإيران دوراً ونفوذاً كبيرين في العراق. الفارق بين العرب والإيرانيين أن الأخيرين استثمروا في حال الاحتلال الأمريكي للعراق واستفادوا منها إلى أقصى حد في بناء نفوذهم وتعميقه، أما العرب فلم يجنوا من الاحتلال سوى المخاوف وعدم الاستقرار فضلاً عن المخاطر المستقبلية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات