أفغانستان: نجاح الانتخابات مؤشر لتغيير قادم

د. كينيث كاتزمان: أفغانستان... نجاح الانتخابات مؤشر لتغيير قادم

  • 10 أكتوبر 2005

قصد نحو 6.5 مليون ناخب أفغاني صناديق الاقتراع في 18 سبتمبر/أيلول 2005، في أول انتخابات برلمانية تشهدها البلاد منذ عام 1969، وأدلى الناخبون بأصواتهم لانتخاب أعضاء البرلمان والمجالس الإقليمية في جميع أقاليم أفغانستان البالغ عددها 34 إقليماً. وسينتخب كل مجلس إقليمي ممثلاً واحداً للبرلمان الأعلى. وسيُكمل الرئيس قرضاي ذلك البرلمان الأعلى بتعيين 17 من أعضائه يكون نصفهم على الأقل من النساء. وبإجراء هذه الانتخابات تكتمل خارطة الطريق السياسية الانتقالية لفترة ما بعد طالبان والتي رسمت في"اتفاق المصالحة" في 5 ديسمبر/كانون الأول 2001، وذلك على الرغم من تأجيل انتخابات المجالس البلدية إلى 2006.

يبدو أن انتخابات 18 سبتمبر/كانون الأول حققت نجاحاً كبيراً. فحركة طالبان لم تعق سير الانتخابات؛ إذ لم تزد هجماتها عن 15-19 هجوماً في يوم الاقتراع، وكانت الأضرار طفيفة. ومع ذلك، اغتال المسلحون سبعة مرشحين برلمانيين إبان فترة الحملات الانتخابية. وكانت نقطة الضعف الرئيسة في تلك الانتخابات معدلات الإقبال؛ حيث لم يشارك في الاقتراع سوى نحو 55% من إجمالي الناخبين المقيدين، وذلك أقل بكثير من نسبة الإقبال التي بلغت 80% في الانتخابات الرئاسية في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2004. ففي كابول أقبل نحو 35% من الناخبين على صناديق الاقتراع، وهي نسبة أقل كثيراً مما كان متوقعاً، خاصة وأن الحالة الأمنية في كابول كانت أفضل من المناطق المجاورة. ورغم إمكانية أن يكون تصعيد المسلحين هجماتهم إبان الاستعدادات للانتخابات قد أدى إلى تخويف بعض الناخبين، فإن معظم المراقبين أجمعوا على أن الصعوبات الفنية واللوجستية التي رافقت الاقتراع هي التي قللت المشاركة الانتخابية. كذلك فإن كثيراً من الناخبين أميون، وهؤلاء لم يستطيعوا اختيار مرشحيهم من بين الصور والرسوم الكثيرة التي عرضت عليهم في مراكز الاقتراع.

سيكون البرلمان خليطاً من زعماء الطوائف البارزين والتكنوقراط وزعماء القبائل المناصرين لقرضاي، ولكنه سيكون على الأرجح متنافراً إلى حد يضعف فاعليته إلى درجة كبيرة في كبح قرضاي. فالأعضاء المنتخبون ليست لهم دراية بالشؤون البرلمانية، ويرجح أن يتفاعلوا مع اقتراحات قرضاي لا أن يبادروا بالتشريعات. ولكن أياً كان الأمر، فإن الموافقة البرلمانية على ما يقدمه الرئيس من مشروعات قوانين ستضفي مزيداً من الشرعية على مبادراته. وهكذا لن يستطيع خصوم قرضاي، خاصة المرتبطين بالتحالف الشمالي الذي تسوده أغلبية طاجيكية ويتزعمه الآن يونس قانوني، اتهامه بالحكم الاستبدادي أو المطلق. وكذلك سيتحمل معارضوه السياسيون جزءاً من المسؤولية، على عكس ما كان سائداً في السابق، عما تفعله الحكومة وما لا تفعله، بحكم مشاركتهم في العملية السياسية.

ربما ستكون الفائدة الكبرى للانتخابات البرلمانية في مجال الحالة الأمنية، بالرغم من أن حفنة من المسلحين يمكنهم الاستمرار في إعطاء انطباع بعدم الاستقرار. لقد أظهرت الجولتان الانتخابيتان الناجحتان أن الشعب الأفغاني لا يرغب في استمرار العنف، وأنه ليس له أدنى رغبة في إتباع أسلوب العنف الذي تنتهجه بقايا طالبان، ومن المرجح أن يدخل المزيد من زعماء طالبان في مفاوضات للتسوية مع قرضاي أكثر مما فعلوا بعد الانتخابات الرئاسية.

يقف الرفض الشعبي لطالبان على النقيض تماما للحالة في العراق. ففي العراق لم يتم التوصل إلى مصالحة وطنية كما حدث في مؤتمر المصالحة بين الطوائف الأفغانية. وعلى الرغم من أن طاجيك أفغانستان (زهاء 25% من السكان) ربما يعتقدون أنهم هم الذين يجب أن يحكموا أفغانستان، نظراً لثباتهم في القتال ضد طالبان، فإن الطاجيك يقبلون إلى حد كبير أن يتولى البشتون (نحو 40%) المناصب العليا في حكومة أفغانستان. ومقارنة بذلك في العراق يعتقد العرب السنة أن الغالبية العربية الشيعية خانت السنة بتشجيع الولايات المتحدة على غزو العراق لإنهاء حكم الأقلية السنية. وهكذا فإن السنة لم يتقبلوا على الإطلاق تداعيات التدخل الأمريكي في العراق، ولذلك قاتلوا القوات الأمريكية والحكومة العراقية منذ سقوط صدام حسين. أما في أفغانستان، فلم تُفهم المسألة أبدا على أنها "غزو" أو "احتلال" أمريكي، وذلك لأن عدد القوات الأمريكية في أفغانستان كان صغيرا نسبياً، كما أن السيادة آلت إلى الأفغانيين فور إزاحة طالبان، وفهم الأفغانيون أن المحتلين في هذه الحالة هم مقاتلو القاعدة العرب الذين تولوا إدارة أفغانستان إبان حكم طالبان.

المراقبون الذين يعتقدون أن أفغانستان ما زالت تواجه صعوبات كبيرة، يثيرون نقطتين، إلى جانب استمرار العمليات المسلحة. النقطة الأولى هي استمرار وجود المليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار سيطرة الحكومة المركزية. وصحيح جداً أن عدداً من الجماعات المسلحة غير القانونية ما زالت تفرض حكماً استبدادياً في مناطق نفوذها، بيد أن نفوذها آخذ في التقلص. وفي الوقت نفسه يتزايد نفوذ قوات الشرطة الأفغانية التي دربتها الولايات المتحدة وألمانيا، رغم أن ذلك التزايد يجري بوتيرة أبطأ مما كان مرجواً، وهي تبسط نفوذها على حساب الجماعات المسلحة غير القانونية. ومن جانب آخر فإن الجيش الوطني الأفغاني يسجل قصة نجاح أخرى، على الرغم من مشاكل الفرار في المراحل الأولى. وسر نجاحه أنه يرى نفسه مدافعاً عن أفغانستان الجديدة، المولودة بعد الصراع مع طالبان، الخالية من العنف والاحتراب الطائفي. فالعرقيات جميعها ممثلة في هذا الجيش، وذلك خلافاً للحالة في العراق حيث العرب السنة يترددون في الانضمام إلى الجيش خشية أن يصمهم أقاربهم بالخيانة أو التواطؤ.

أما النقطة الرئيسة الأخرى التي كثيراً ما يصفها المتشائمون بالمستعصية فهي زراعة الخشخاش السائدة والاتجار بالمخدرات. صحيح أن أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي في أفغانستان يعتمد على تجارة المخدرات، وربما يكون صحيحاً أيضاً أن بعض المسؤولين الأفغان متورطون في هذا النشاط أو مستفيدون منه على نحو أو آخر. كذلك من المحتمل أن عدداً من أعضاء البرلمان الجدد ضالعون بشدة في تجارة المخدرات، ولكن مع ذلك فمن الممكن أن تتداعى مشكلة المخدرات حين ينمو الاقتصاد المشروع بحيث يصير قادراً على توفير ما يكفي من إمكانيات العيش للمزارعين وغيرهم من العاملين. ومعلوم أن الشعب الأفغاني غير مفتون بتجارة المخدرات، كما أنه ليس بالضرورة مفتوناً ببعض أو كل السلع البذخية التي يمكن أن توفرها له تلك التجارة. والحقيقة أن معظم الأفغان الذين يمارسونها ينظرون إليها كوسيلة لتوفير لقمة العيش لأسرهم. وإذا توافر البديل، فمن المرجح أن يدير معظم الأفغان ظهورهم لتلك التجارة، ويبحثوا عن مصدر نظيف للرزق، بعيداً عن أي نشاط يرتبط بها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات