أعراض "طالبانية" وأخرى "زرقاوية"

  • 13 يونيو 2006

في الجزائر قامت "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" بذبح حارس أحد السجون على طريقة تنظيم "القاعدة" في العراق وبثت شريط الذبح عبر شبكة "الإنترنت" في سابقة هي الأولى من نوعها لهذه الجماعة، وفي الصومال أغلقت ميليشيا "المحاكم الشرعية" دور السينما التي كانت تبث مباريات كأس العالم لكرة القدم للمشاهدين في مقديشو، وأكد نائب رئيس "المحاكم الشرعية" أنهم لن يسمحوا للأولاد والشباب بمشاهدة مباريات كأس العالم لأن ذلك "يفسد أخلاقهم ويصرفهم عن مساعي المحاكم الشرعية لهدايتهم"، وساوى الحظر الذي طبقته هذه المحاكم، التي سيطرت على العاصمة الصومالية، بين مشاهدة مباريات كأس العالم وتهريب المخدرات وتجارة الأفلام الإباحية و"أشكال أخرى من الانحطاط"، كما ورد في بيان نشرته وكالات الأنباء. ولم تكتف "ميليشيا المحاكم" بإغلاق دور السينما بل طاردت هواة الرياضة حتى غرف منازلهم وقامت بقطع التيار الكهربائي وهددت من ينوي مشاهدة المباريات على شاشات التلفزيون عبر الأقمار الصناعية

هذه "الأعراض" تعيد إلى الذاكرة ممارسات جماعة أبو مصعب الزرقاوي في العراق، وحركة طالبان في أفغانستان، ولكن الأمر لا يقتصر على مجرد استعادة شريط الذكريات في الماضي القريب، ولكن هناك دروس عدة يمكن استخلاصها من هكذا مواقف، أولها أن "عدوى" "كليبات الذبح" والإرهاب وممارساته وسلوكياته المرفوضة قابلة للاستنساخ والانتشار وتجاوز حدود الجغرافيا والاستيطان في مناطق ودول أخرى بمجرد أن تجد لها وقعا فكريا لدى جماعات أو تيارات تنتمي إلى الفصيلة ذاتها من البشر الذين يفتقرون إلى القيم الإنسانية والحد الأدنى من المشاعر البشرية التي تأبى أن تسقط أخلاقيا إلى حد الاستهانة بالمحرمات، وهذا هو أحد دروس التعاطي مع ظاهرة الإرهاب، حيث يمكن استنتاج العلاقة التفاعلية الديناميكية التي تربط هذه التنظيمات ببعضها بعضا. وإذا كان من الممكن نسب ابتكار "كليبات الذبح" إلى "قاعدة العراق"، فيمكن أيضا الإشارة إلى انتقال عدوى الانتحاريين والأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة إلى أفغانستان في الآونة الأخيرة، وهكذا تتناقل هذه العناصر تجاربها وتستنسخ أردأ الممارسات والسلوكيات في محاولات يائسة لإثبات الذات وسط بيئات ترفضها وتستنكر ممارساتها.

أما "المحاكم الشرعية" في الصومال، فقد أصيبت بـ "أعراض طالبانية" رغم أن قادتها يؤكدون عدم معرفتهم بحركة طالبان الأفغانية، بل إن رئيس هذه المحاكم يصف نفسه في المقابلات الصحفية القليلة التي جرت معه منذ بروزه في دائرة الحدث الأسبوع الماضي، بأنه معتدل يؤمن بالوسطية الإسلامية والانفتاح على الثقافات الأخرى ولعل ما يحدث في الصومال هو خير شاهد على حالة النظام الإقليمي العربي، الذي يكتفي بموقف المشاهد السلبي، الذي لا يتبرع حتى بمجرد التفاعل مع ما يحدث على أرض هذه البلاد التي تعاني الفراغ السياسي والقتال الأهلي ويعاني أهلها الفقر والجوع والتشرد منذ عام 1992، ولا مبرر مطلقا لغياب أي دور عربي أو إسلامي عن هذا البلد المشتت، الذي انتقل أهله من معاناة على يد أمراء الحرب إلى مطاردات وإملاءات من جانب ميليشيا "المحاكم الشرعية"، التي رأت في مشاهدتهم لمباريات كرة القدم مفسدة أخلاقية تحرفهم عن طريق الهداية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات