أساطير سقطت تحت الركام في لبنان

عبدالوهاب بدرخان: أساطير سقطت تحت الركام في لبنان

  • 5 أغسطس 2006

لم يعد هناك شك في أن الحرب على لبنان هي أمريكية-إسرائيلية، صحيح أنها لا تختلف بذلك عن كل الحروب العربية-الإسرائيلية السابقة، إلا أن الفارق في هذه الحرب يكمن عملياً في وحشيتها ومحاولتها تكريس أعراف مخالفة للطبيعة والإنسانية، وهو ما كان الإسرائيليون يجربونه في تعاملهم مع الشعب الفلسطيني ثم عمدوا إلى تطبيقه في لبنان.

 وبمعزل عن الجدل الذي ثار حول "خطأ التوقيت" من جانب  "حزب الله"،  و"الإفراط في استخدام القوة" من جانب إسرائيل، فإن العنصر الحاسم كان إفراط الدول الكبرى في الاستهتار بتدمير بلد والتغطية على تقتيل المدنيين الهاربين، كذلك الإخفاق المتعمد لهذه الدول في التوصل إلى مجرد الدعوة لوقف إطلاق النار.

 وليس معروفاَ إذا كان شعار "الشرق الأوسط الجديد"، الذي طرحته وزيرة الخارجية الأمريكية، كافياً لطمأنة العرب، ولاسيما اللبنانيين والفلسطينيين، إلى أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤوليتها بصفتها الدولة العظمى الوحيدة، أم أن هذا الشعار كان مجرد قنبلة دخانية لإخفاء آثار الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل.  وكان مفهوم "الشرق الأوسط الجديد" في طبعته القديمة يعني الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وتنمية الاقتصادات. وقد طرحته واشنطن كعنوان وخلاصة للغزو والاحتلال الأمريكيين للعراق، ثم راحت تنساه رويداً رويداً بعدما استنتجت أن الانتخابات الديمقراطية ستفضي إلى أنظمة وحكومات لا تناسبها. لم تعجب نتائج الانتخابات العراقية واشنطن، فتدخلت فيها بصفتها سلطة الاحتلال، وتلاعبت بتوزيع المقاعد في البرلمان. ولم ترض عن مجريات الانتخابات المصرية. ثم إنها رفضت نتائج الانتخابات الفلسطينية، وعمدت إلى معاقبة الشعب لأنه صوت لحركة "حماس".

 كان مشروع "الشرق الأوسط الجديد" أسطورة ساقطة عندما أعيد استخراجه من أرشيف النسيان في محاولة لـ "تجميل" الحرب الإسرائيلية ضد لبنان وشعبه. لذلك كان الديبلوماسيون الأوروبيون، وليس العرب، أول من ضرب كفاَ بكف قائلين: لم يفهم الأمريكيون شيئاَ من إخفاق مشروعهم، لم يفهموا خصوصاً أن الخطوة الأولى لإنجاح هذا المشروع لابد أن تكون نحو حل عادل للصراع العربي-الإسرائيلي. لكن الكذبة ما لبثت أن انكشفت خلال "مؤتمر روما"، إذ تمتعت كونداليزا رايس بما يكفي من الفطنة بحيث لم تطرح هذا "الشعار" أو ذلك "المشروع" أمام حضور غالبيته من الأوروبيين الذين يعرفون خلفية المسألة.

 لكن هذا الشرق الأوسط "الجديد" ليس الأسطورة الوحيدة التي سقطت تحت الركام في لبنان. هناك أساطير أخرى انكشف سترها، ولم يعد في الإمكان الاستمرار في استخدامها لتمرير التحايل الأمريكي-الإسرائيلي لإدامة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط:

 1- "عملية السلام" هي الأسطورة الكبرى التي قدم العرب فيها ورقة التخلي عن خيار الحرب، وشرعوا في عملية تطبيع للعلاقات مع إسرائيل قبل أن تنفضح الخدعة. ثم عادوا فكرروا المحاولة بمشروع السلام العربي الذي أقرته قمة بيروت عام 2002، والذي سارعت إسرائيل فرمته تحت الركام في جنين وطولكم ورام الله. كانت "عملية السلام" في صلب الاستراتيجية الأمريكية، وفق ما صرح أكثر من وزير ومسؤول، إلا أن إسرائيل خططت لتهشيمها والتخلص منها، وما لبثت واشنطن أن طاوعتها. وقد ذهبت إدارة الرئيس جورج بوش بعيداًَ جداً في قتل روح  "عملية السلام" عبر تعهدات وخدمات وتواطؤات قدمتها لإسرائيل. وأخيرا توصلت مؤسسة مثل الجامعة العربية إلى هذه الحقيقة اليائسة: عملية السلام فشلت، ماتت، اندثرت تحت الركام. لكن للأسف، لم يصدر أي بيان رسمي يعلن أن الجانب العربي سحب مشروعه، طالما أن المجتمع الدولي لم يبد أي جدية في التعامل معه.

 2- "خطة الفصل" كما سمتها إسرائيل ونفذت جانباَ منها بالانسحاب من غزة، نالت الكثير من التصفيق الأمريكي والغربي، لكن الكارثة التي أُُنزلت بغزة أخيراًَ كشفت أن هذه الخطة كانت مجرد إعادة صياغة للاحتلال وإعادة انتشار لقواته. ولعل هؤلاء المصفقين أدركوا الآن أن خطة الفصل لم تكن في أحسن أحوالها أكثر من مجرد التفاف على ما يتطلبه أي سلام حقيقي.

 3- الانسحاب من جنوب لبنان بدا عام 2000 خطوة جرئية وشجاعة، لكن الجميع كان يعرف أن الإسرائيليين أبقوا قضية مزارع شبعا عالقة لتكون سبباَ للتفاوض والتنازع مع سورية عبر لبنان. فالدولتان اختارتا الساحة اللبنانية حلبة صراع مصغرة تنفسان فيها الاحتقانات، وتمتحنان الأمزجة، وتجربان الأسلحة. وكان متوقعاً، إذاً، أن ينزلق مثل هذا الاحتكاك شبه اليومي، فينفجر حرباً واسعة كتلك التي نشهدها حالياً، خصوصاً مع تفاقم التوتر الغربي-الإيراني والإسرائيلي-الإيراني، واستطراداَ مع تعمق التحالف المثلث سورية-إيران-"حزب الله".

4- جادلت إسرائيل باستمرار بأن غياب الديمقراطية عند العرب عقبة كأداء أمام أي سلام دائم معهم، لكن ذلك لم يمنعها من إقامة سلام مع مصر والأردن، بل إن الوضع السوري-الإسرائيلي يمكن أن يوصف بأنه سلام غير معلن طالما أن الجبهة هادئة وصامته منذ 1973. في غضون ذلك لم تتمكن إسرائيل من التعايش مع الديمقراطيتين في لبنان وفلسطين، لأن ما تقبل به الحكومات غير المنتخبة وما تفرضه على شعوبها، قد لا تستطيع الحكومات المنتخبة فرضه. وطالما أن السلام زائف، فإن الضغط على الأنظمة لن يفيد في جعله سلاماً عادلاً ودائماً.

 5- أما أمن إسرائيل فقد تبين من وقائع المواجهة في فلسطين كما في لبنان، أن شيئاً واحداً يحميه ويحصنه وهو إرهاب الدولة، لا الترسانة التقليدية أو غير التقليدية، ولا الأسلحة النووية، أو الصواريخ الذكية. لقد تعمق الاقتناع بأن الإرهاب، الذي كان أساسياً وحيوياً في إنشاء الدولة العبرية، يجب أن يستمر لإدامتها وحمايتها، ولذلك كانت إسرائيل سباقة في استخدام مصطلح "الإرهاب" لوصف الفدائيين الفلسطينيين، الذين تحدوا أمنها، وشكلوا رفضاً دائماً لسيطرتها على الأرض التي سرقتها. ولعل الحرب على لبنان قدمت مؤشراً نافذاً الى أن قوة إسرائيل أسطورة قابلة للسقوط إذا استمر تحديها بالمقاومة الرصينة والمصممة.

 6- أسطورة "إسرائيل دولة القانون" اهتزت بدورها، فالعالم أكثر إدراكاً اليوم بعد أحداث غزة ولبنان، أن إهمال ملف الأسرى كان خطيئة دولية لاتغتفر. فهذا الملف لا يختلف بأي شكل عن ملف جوانتانامو، بل يتخطاه قسوة وظلماً واحتقاراً للعدالة وحقوق الإنسان. وإذ يعلم أهل القانون في كل أنحاء العالم أن القضاء الإسرائيلي يفتقد للمصداقية، فإن ما يزيد من فساده أنه أولاً يمتثل لسلطة الاحتلال ويمثلها، وثانياً أنه يطوع القوانين لحماية الاحتلال وتحصينه. لكن المجتمع الدولي فشل في إعطاء هذه القضية ما تستحق من اهتمام، مثلما تغاضى عن  الهمجية التي اتسمت بها الحرب على لبنان إلى حد الفشل في فرض وقف فوري لإطلاق النار، بل إلى حد إبقاء إسرائيل في منأى عن المحاسبة.

 7- أنتجت الحرب على الإرهاب الكثير من المفاهيم العمياء التي عمدت إسرائيل والولايات المتحدة إلى استخدامها في غير مكانها. وبات على المجتمع الدولي أن يضع حداً لسوء استخدام هذه الحرب ومفاهيمها الخاطئة قبل استفحالها، وخصوصاً قبل أن تصبح سبباً لتوليد الإرهاب بدل القضاء عليه.

 وأخيراً لا شك أن هذه الحرب على لبنان أسقطت مجدداً، وللمرة الألف، مبادئ السلام والعدالة التي تقوم عليها الأمم المتحدة، التي لم يتردد أمينها العام في الاعتراف بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها "وفقاً للمادة 51 من الميثاق"، قبل أن يستدرك قائلاً إنها افرطت في استخدام القوة. لا، لم يكن ذلك دفاعاً عن النفس، كان حرباً شاملة على أهداف مدنية رداً على خطف جنديين.

 أساطير كثيرة سقطت، ومن بينها ذلك الكم من الكلام الجميل والأهداف النبيلة التي ساقها الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني في الترويج لحربهما على العراق. فالمبادئ التي دافعا عنها لتبرير الغزو والاحتلال لإسقاط نظام صدام حسين، تبدو غير صالحة لإسقاط الوحشية والإرهاب الإسرائيليين، أو على الأقل للضغط لاستئناف التفاوض سعياً إلى السلام. هل يلام العرب إذ يعتبرون اليوم أن الولايات المتحدة والعالم الغربي لا يريا سوى الإرهاب الإسرائيلي طريقة للتعامل معهم؟

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات