أزمة الرسوم المسيئة: كيف نرأب الصدع؟

د.بشارة نصار شربل: أزمة الرسوم المسيئة: كيف نرأب الصدع؟

  • 13 فبراير 2006

سواء كانت الاحتجاجات الغاضبة على الرسوم الكاريكاتورية التي أساءت إلى نبي الإسلام رد فعل طبيعياً كلها على شعور بالإهانة، أم كان جزء منها ناتجاً عن تحريض سياسي واستغلال، فإن ما حصل جدير ببحث;معمق لكيفية رأب الصدع الذي أصاب الصلة بين الأديان والثقافات. لقد أعاد هذا الصدع الحديث عن حوار الحضارات، أو التعايش بين الطوائف في الدول المتعددة الانتماءات، إلى بدايات كان يعتقد كثيرون من أهل الفكر والعاملين على التقريب بين المجموعات البشرية المختلفة أنه تم تجاوزها نحو إرساء علاقات تفهم وتعاون، تخفف من عبء التاريخ المليء بالأحقاد، ومن ثقل الموروث الكامن في نفوس الجماعات والقابل دوماً للانفجار.

ولعل أهم ما يفترض مناقشته هو حدود حرية التعبير وحدود حق الاحتجاج مع ما يتضمنه هذا النقاش من تداخل بين الديني والاجتماعي والسياسي. فالأزمة الناشئة عن الرسوم لم تكشف فقط اختلاف الثقافات والتراكم المتمايز للتجارب بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، بل دلت أيضاً إلى أن النزاعات السياسية الكبرى محرك رئيس يثير شحنات الغضب ويؤجج النيران.

برهنت الأحداث الناجمة عن الإساءة إلى الرسول على فشلين أكيدين تعرضت لهما قيم يعيشها الغرب المسيحي والشرق الإسلامي على السواء؛ فحرية التعبير الناجمة عن تطور تاريخي اجتماعي، بدأ في عصر التنوير، وعبر الثورة الفرنسية، وصولاً إلى ما وصلت إليه في العصر الحديث، تعرضت لنكسة، حين تم تجاوز أول شروطها وأكثرها بداهة، وهو عدم الإساءة إلى الغير أو إهانته. إذ إن ارتكاب مثل تلك الإساءات يقود الحرية إلى الفوضى، ويجردها من جوهرها، الذي يقوم على احترام الخصوصية والحرية في آن، فكيف إذا كانت المشاعر التي تستهدف بالإساءة هي مشاعر ملايين وربما مليارات الناس؟

أما الفشل الآخر فهو فشل إسلامي في تمييز المسؤوليات في دولة أو دول أوروبية، تطورت أنظمتها ودساتيرها، وفصل السلطات فيها، إلى درجة باتت معها الدولة ناظماً للسلطات وللمجتمع وليس حاكماً ومتحكماً به، وإلى درجة أعلت مسؤولية الفرد على مسؤولية الجماعة، ووضعت حدوداً صارمة على تعميم الممنوعات، مانحة القضاء سلطة الفصل بين حدود الحرية وحدود الاعتداء.

وإذا كانت الاحتجاجات الإسلامية ضد الرسوم المهينة أمراً مشروعاً، فإن أعمال الحرق والتخريب، التي تعرضت لها البعثات المستهدفة في شكل عشوائي، والتهديدات التي تلقاها المواطنون الأوروبيون في أكثر من منطقة أتت متعارضة مع مبدأ "لا تزر وازرة وزر أخرى".

وبالفعل خرج أسلوب الاحتجاج عن حدود التعبير، ليتحول مشهداً يعطي صورة تسيء إلى الإسلام بقدر الإساءة الأصلية، التي انطلقت شرارتها من الدنمارك، وما لبثت، بفعل نوعية الاعتراض، أن تحولت إما قضية حريات في أوروبا والغرب بشكل عام وإما مناسبة للكسب التجاري تحققه صحف مغمورة.

يصعب التقدير ما إذا كان حل قضية كبرى مثل قضية فلسطين قادراً على حل الإشكال وإزالة عوامل التوتر القائمة بين الغرب والإسلام. فبقاء هذه القضية معلقة يغذي نزعات عنيفة تجد مسوغات موضوعية، ويثير شعوراً متنامياً بالإحباط والاستهداف، تعيش على ضفافه نظريات المؤامرة والدعوات إلى تحويل ديار الآخرين "دار حرب" بدل أن تكون جميع الدور دور سلام. لكن حل هذه المعضلة بطريقة عادلة سينزع من أيدي المتطرفين ورقة أساسية يبنون عليها مشروعية القتل وتأصيل العداء.

أبعد من ذلك، لا بد من إعادة نظر شاملة في مؤسسات "حوار الحضارات" مهما اتخذت من أسماء وأشكال، ذلك أن كل النشاطات الخيرة وذات النيات الطيبة في هذا الإطار تبقى مقصرة عن اختراق بنى ثقافية وفكرية ترسخت بما يؤكد التعارض والاختلاف. ولا شك أن الثورة العلمية التي أنجبت مفاهيم الديمقراطية الحديثة في الغرب، ليس لدى الإسلام ما يوازيها من حيث التحول التاريخي الفاصل بين الديني والمدني، والواضع خطاً واضحاً بين أنا الفرد وأنا الجماعة. وهذا التعارض أنشأ اختلافاً في سلم القيم على مستوى الجماعات، واختلافاً في المرجعية المعرفية، ينعكس على أشكال النشاط الإنساني كلها.

إذا كان ما تقدم يساهم في تعقيد المسألة، فان ما يمكن أن يستغل إيجابياً هو تلك الشحنة الروحية القوية التي لا تزال مشتعلة في الإسلام، والتي تختزن قدرات نوعية يمكن توظيفها لمصلحة الإنسانية إذا توافرت لها شروط موضوعية. أما الطريق الأقصر لحل المشكلة فليس البحث النظري والتثقيف العام وحدهما، إنما التجديد الديني والتجديد السياسي على السواء. وسيكون أي بحث في هذا الإطار نوعاً من التنجيم إذا لم يتم السعي نحو ترسيخ مفهوم الدولة الحديث، وتعريته من شوائب الغيبيات، والعمل على فصل جوهر الدين عن الأيديولوجيا الدينية المعرقلة لتطور المجتمع من جهة والمغيبة لقدرة الإيمان الحقيقي على دفع التقدم الإنساني إلى الأمام من جهة أخرى.

تظهر الاحتجاجات الأخيرة التي عبرت عن نفسها بأشكال مختلفة في الدول الإسلامية مؤشرات واضحة إلى النزعة العنفية في التعبير في الدول غير الراسخة دولتياً أو المشوبة بالانقسامات أو الاستغلال السياسي، على غرار ما حصل في ايران وسورية ولبنان. في حين أن الاحتجاجات تأطرت بأساليب أخرى في الدول الأكثر ثباتاً أو الآخذة من الديمقراطية بطرف، فشهدنا شكل المقاطعة، أو النقاش السياسي، أو الاحتجاجات السلمية في شكل عام، على غرار ما حصل في بعض الدول العربية. وإذا كانت هذه الأمثلة تحتاج إلى مزيد من التحليل للظروف، فإنها تظهر وجوب تعميم ثقافة احترام الدولة بما هي نظام ضروري لتنظيم حرية التعبير الديمقراطي، وليست أداة قمع أو تزوير للإرادات، أو تحريك مقصود للشارع في اتجاهات محددة. كما تظهر ضرورة تعميم ثقافة قبول الاختلاف، شرط ألا تتجاوز الحرية حد احترام المعتقدات، ولا تتحول المساحة المعطاة للأفراد إلى فوضى تسيء إلى الجماعات.

لن يمكن استيفاء شروط البيئة الصالحة للتعاطي مع مثل تلك الأزمة بإيجابية من دون الإصرار على تطوير آليات الديمقراطية ونظم الانتخاب والحريات. فهذه المفاهيم لها ثمن يدفعه الفكر السائد والسلطات القائمة، لكنها معبر لا بد منه للوصول إلى مجتمعات تدير نزاعاتها في الداخل ومع سائر الحضارات بطريقة حضارية تكسبها مزيداًْ من الاحترام. والشرط الأول في إطار الأزمة الناشئة عن الرسوم هو أن تستوعب الديمقراطية الغربية أن اختلاف الثقافات وأولوية حرية الفرد يقفان عند حدود احترام المقدسات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات