أحمدي نجاد وسياسة إيران الخارجية

د. بشارة نصار شربل: أحمدي نجاد وسياسة إيران الخارجية

  • 1 نوفمبر 2005

كان حميد رضا آصفي الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية متسرعاً قليلاً حين دعا بعيد انتخاب محمود أحمدي نجاد الدول الغربية إلى عدم إطلاق الأحكام المسبقة على "أبو الفقراء"، والصبر حتى يعلن الرئيس الجديد برنامجه السياسي. فضابط الحرس الثوري الذي قدم إلى الرئاسة من محافظة طهران، لم يغير في قناعاته تسلمه منصب الرئاسة الحساس، ولم يتأثر أسلوبه باعتبارات هذا المنصب التي يفرضها علوه لا شعبويته.

ربما كان الرئيس محمد خاتمي على حق حين كان يمنع نجاد أثناء توليه منصب محافظ طهران من التمتع بامتياز نعم به كل الذين شغلوا هذا المنصب، وهو حضور جلسات مجلس الوزراء. فالرجل المتقشف المحافظ الذي صار رئيساً عبر الدعوة المكثفة للاقتراع في المساجد ودعم خامنئي، ينظر إلى العلاقات الدولية بنظرة محلية شديدة التبسيط وبمنطق أيديولوجي فوق سياسي. والأمر شديد البساطة بالنسبة إليه، فهو كما ألغى مطاعم الوجبات السريعة أثناء حكمه لطهران، وشطب إعلاناً للاعب كرة القدم الإنجليزي الشهير ديفيد بيكهام من شوارع العاصمة الإيرانية، أعلن الآن رغبته في شطب إسرائيل من الخارطة ومحوها من الوجود انسجاماً مع ما قاله الإمام الخميني مرة، وإخلاصاً لوجهة فكرية عقائدية، تلعب فيها ثنائية الخير والشر دوراً محورياً، وترى العالم من خلال صرخات "الموت للشيطان الأكبر"، التي تتردد في التظاهرات والتجمعات، بغض النظر عن تعقيدات السياسة وموازين القوى ومبادئ الأمم المتحدة وأصول الانتماء إلى هذا الجسم العالمي.

لم ينتخب أحمدي نجاد رئيساً من أجل أن يبيع الإيرانيين مواقف عقائدية يقدر أي زعيم متشدد بينهم أن يبلي فيها أحسن بلاء، ولا تنقص مرشدهم الدربة ولا النية في التعبير عنها في أي وقت يرى فيه أن الأزمات الداخلية تحتاج خطاباً موجهاً إلى الخارج، وأن تجييش المشاعر في اتجاه "أعداء الخارج" أفضل ألف مرة من أن تعتمل على خلفية أزمة البطالة أو الإسكان أو الحريات. انتخب نجاد لأنه، بسيرته الشخصية المنزهة عن الفساد، أوحى بأنه سيكون نصير الفقراء والإصلاح، وبأن المناعة التي يمتلكها إزاء "متاع الدنيا" يمكنها التمدد إلى مؤسسات الدولة وإداراتها، فتعتمد سياسات اقتصادية واجتماعية لمصلحة الغالبية الفقيرة، وتنفذ تلك السياسات إدارات قادرة وفاعلة وغير منخورة بالفساد.

يحلو للبعض إدراج ما تفوه به أحمدي نجاد في إطار رفع سقف التحدي مع الولايات المتحدة وإسرائيل والتأكيد للمجتمع الدولي، الذي يخوض نزاعاً مع طهران في شأن الملف النووي، أن إيران دولة كبرى إقليمية ويجب التعامل معها على هذا الأساس، وأنها حين تهدد بإزالة إسرائيل من الوجود فإنها توجه رسالة ذات طابع استراتيجي وليس عملياً أو سياسياً عادياً. وفحوى الرسالة أن لا أحد يستطيع تجاوز رغبة إيران في الاصطفاف المتعادل إلى جانب القوى النووية الآسيوية الحديثة مثل الهند وباكستان، ولا أحد يستطيع أن ينكر على إيران حقها في التواجد الفاعل على حدود نزاعات المنطقة. فالجغرافيا وضعتها على حدود أفغانستان والعراق، في حين أن الأيديولوجيا والسياسة تضعانها على حدود إسرائيل. وفي كل الأحوال فإنها تمارس حقها، حتى أقصى الحدود، في أن تكون دولة مرهوبة الجانب يحسب لها ألف حساب في هذا الحيز الجغرافي من العالم.

واقع الحال أن أحمدي نجاد لا يحصد في تصريحاته الأخيرة المتعلقة بتدمير "الشيطان الأصغر" سوى الاستنكار من المجتمع الدولي والنقمة من القوى التي كانت تميز نفسها عن الموقف الأمريكي المعادي لإيران. ذلك أن ما دعا إليه يدخله العالم في إطار التحريض على الإبادة وليس في اطار الرأي السياسي، ولا تنفع معه التبريرات اللاحقة بأنه لم يكن يقصد أن يتصرف فعلياً انسجاماً مع ما قاله، ولا أن يتخذ ما من شأنه تحقيق أمنياته، وأنه كلام يدخل في أدبيات الإيرانيين التقليدية وقناعاتهم وليس له أي مردود سياسي.

أدخل أحمدي نجاد إيران في مأزق أخلاقي-سياسي لم تكن مضطرة للانزلاق فيه، ولا تنم المخاطرة بالوصول إليه عن حاجة سياسية أو تعبر عن مناورة مفيدة لإيران.

لا بصمة داخلية بعد لأحمدي نجاد. ولا يمكن أن يطلب منه فعل المعجزات في شهور قليلة تولى خلالها الحكم في طهران، ولعل ارتفاع أسعار النفط وقدرة بلاده على الانفتاح على أسواق مجاورة مثل الصين، وتمكنها من نسج علاقات متينة مع روسيا، وتوقيع عقود ضخمة للتطوير، تجعل كلها النتيجة الاقتصادية مرضية على العموم بلا فضل كثير للقادم حديثاً إلى موقع القرار. غير أن البصمة الخارجية لأحمدي نجاد واضحة وضوح الشمس وهي مرت في محطتين كبيرتين. تلك التي جلبت ضده أخيراً إجماعاً عالمياً على الاستنكار والتنديد وصل إلى استدعاء السفراء الإيرانيين في عدد من الدول، ومن ثم الشجب الرئاسي الأوروبي، وبيان مجلس الأمن، الذي هاله أن تطلب دولة في الأمم المتحدة تدمير دولة شريكة لها في هذا الصرح الدولي. هذه نقطة سوداء سجلها المجتمع الدولي ضد نجاد وضد إيران ويلزمها وقت كي تغيب عن الذاكرة أو أحداث كبيرة لتضعها في مكان خلفي.

أما المحطة الأخرى، فكانت زيارته لنيويورك في إطار القمة العالمية ودورة الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهناك أيضاً لم يرض التشدد الذي أبداه نجاد في شأن الملف النووي زعماء العالم الغربي المجتمعين، ولا ساهم في تقريب المواقف بينهم وبين إيران. على العكس من ذلك، فإن الرهان الإيراني الدائم على تمايز أوروبي عن الموقف الأمريكي تعرض لانتكاسة كبيرة، وبدا أن ما حاولت طهران بناءه على مدى سنوات في هذا الإطار عرضة للانهيار بفعل التشدد والتعبير الفج عن هذا الموقف بلسان الرئيس الإيراني الجديد. وتكفي تلك الدلالة الرمزية على سوء علاقة إيران بدول العالم المتمثلة بالعدد القليل للزعماء الذين استمعوا في نيويورك إلى كلمة الرئيس الإيراني، ومستوى اللقاءات التي عقدها.

إن جردة بسيطة للنتائج التي أسفرت عنها رئاسة أحمدي نجاد لإيران حتى الآن تضعها حتماً في خانة السلب وتكرس انطباعاً بأن بعض الاتهامات التقليدية التي تطلقها الولايات المتحدة باستمرار ضد إيران لها أساس موضوعي، بل إنها مرفقة أيضاً بمستندات حديثة العهد تتمثل بتصريحات نجاد ومواقفه سواء تلك التي تؤكد على استمرار التخصيب النووي مهما كلف الأمر أو تلك التي تواكب الرغبة النووية بإعلان يدعو إلى محو دولة إسرائيل.

لا تلغي الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها نجاد، إذا انطلقنا من منطلق الديبلوماسية والعلاقات الدولية، أن منطق طهران "النووي" قابل للنقاش ما دامت إسرائيل ترفض نزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة، وما دامت لا تتردد في التهديد بتدمير القدرات النووية الإيرانية أو بالتحريض على تدميرها. لكن اللغة التي يستخدمها نجاد تأتي في منزلة شعبوية هي حتماً أدنى من "السياسي"، وفي منزلة أيديولوجية أعلى من "الاستراتيجي"، ما يخرجها عن مألوف ما اجتمعت عليه الدول منذ تأسيس عصبة الأمم، ويجعلها وقوداً قابلاً للاشتعال في منطقة تؤسس عداواتها على الأساطير وتدعمها بالشعارات التي تدخلها بالحدث اليومي.

أحمدي نجاد لقية ما كان لإسرائيل والولايات المتحدة أن تجدا أثمن منها لو جندتا كل طاقاتهما للبحث عما يبرر رمي طهران بالعنصرية أو بالمروق أو بالانتماء إلى محور الشر. إنه خيار لإنقاذ الداخل، يرجى ألا يتحول كارثة في العلاقة مع الخارج. 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات