أجواء الأزمة الإيرانية .. إلى متى؟

  • 19 فبراير 2006

إذا كانت الهند قد أعربت عن قلقها إزاء التصعيد في اللهجة بشأن البرنامج النووي الإيراني وحذرت من إمكانية نشوب مواجهة حول هذا الملف، فإنه من باب أولى أن تشعر دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بقلق حقيقي إزاء المنحى الذي يمكن أن تنزلق إليه إدارة الأزمة إيرانيا، حيث تبدي طهران، ظاهرياً على الأقل، استهانة لافتة بما يحدث حولها، وتصدر إشارات تتعارض مع رغبة المجتمع الدولي، ممثلا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكان آخر هذه الإشارات قرار استئناف تخصيب اليورانيوم بعد توقف طوعي دام نحو عامين ونصف العام. الشواهد التي تقلق الخبراء والمراقبين ناجمة عن أن إيران غير مقتنعة بالمقترح الروسي الذي يبدو في نظر الكثيرين المخرج الوحيد لتفادي سيناريو المواجهة، دبلوماسية كانت أو عسكرية، فالمراقبون يرون أن طهران متمسكة بامتلاك حق تخصيب اليورانيوم، وترمي بقفاز التحدي في وجه المجتمع الدولي من دون التقدم، ولو خطوة واحدة، نحو ردم الفجوة الناجمة عن فقدان الثقة بين الطرفين. وأكثر ما يخشاه المراقبون أن تراهن الدبلوماسية الإيرانية على "استحالة" تعرضها لهجوم عسكري، حسبما قال مسؤول إيراني بارز مؤخرا، من دون مراعاة لاحتمال تداعي هذه القناعات والرهانات القائمة على حسابات استراتيجية معينة.

المسار الحالي للأزمة مثير للقلق، خصوصا في ظل المنحى الذي يتبناه الخطاب السياسي الإيراني، فطهران لا تكتفي بالتصعيد الكلامي مع الغرب، بل تتحدث عن "تصدير" خبراتها الفنية النووية إلى دول أخرى، وتراهن بقوة على المصالح الاقتصادية، التي تربطها ببعض الدول الكبرى، في إجهاض أي محاولة لتمرير عقوبات دولية ضدها في مجلس الأمن الدولي، وهذه الأمور وغيرها تدفع أمن الخليج برمته إلى وضع صعب وشائك، سواء من الناحية الأمنية، أو لجهة الأوضاع البيئية التي يمكن أن تنتج عن أي تسربات إشعاعية مفاجئة لسبب أو لآخر. فالجانب الأخطر من الأزمة أن المخاوف لا تتوقف عند حد احتمالات نشوب مواجهة عسكرية، بل تطال احتمالات حدوث تسرب إشعاعي أو نووي، ما يسهم في تغذية الهواجس المشروعة بسبب اتجاه إيران إلى إنشاء مزيد من المحطات النووية، ليس فقط لأن الخيار النووي، ولو في توليد الطاقة، يثير مخاوف تقليدية لدى الجميع، ولكن لأن الشواهد تؤكد افتقار طهران إلى الخبرة اللازمة للسيطرة والتحكم في هذه المحطات.

الواضح أن هناك ضغوطا متبادلة، وأن لعبة عض الأصابع تزداد سخونة، والنتيجة بالنهاية هي تعميق أزمة الثقة واستمرار أجواء التوتر معلقة وقائمة حتى تحسم البدائل الاستراتيجية والتفاوضية، ولذا يبدو من الصعب على دول المنطقة أن تعيش تحت رحمة سيف الخوف المعلق بأدق الخيوط ويمكن أن ينقطع في أي لحظة دون قصد أو نتيجة حسابات خاطئة أو بدافع حسابات سياسية معينة، كما يبدو من الصعب على المنطقة أيضا أن تتعايش مع لعبة الكر والفر التفاوضية، التي تمارس من دون أفق واضح للتوصل إلى تسوية نهائية للأزمة. فحالتا الضبابية والغموض لا تدفعان إلى الخوف من المستقبل فقط، بل تسهمان في تقويض فورة التنمية والازدهار التي تعيشها دول المنطقة، والمأمول أن يستشعر النظام الإيراني خطورة البقاء على حافة الهاوية في إدارته للأزمة، وأن يتفهم بدقة حقيقة المواقف الدولية، وأن يتخلى عن الخطاب التعبوي لمصلحة أهم لشعبه في ضمان الأمن والاستقرار.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات