جمال سند السويدي يستشرف آفاق العصر الأميركي

  • 28 يناير 2014

صدر أمس كتاب جديد للدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بعنوان «آفاق العصر الأميركي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد» يضع فيه خلاصة فكره وعصارة تجربته البحثية، كمحاولة على الطريق لاستكشاف معالم النظام العالمي الجديد.

ويقع الكتاب في نحو 860 صفحة، تضم سبعة فصول، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة والملاحق والهوامش والمراجع والفهارس، وقد اعتمد المؤلف على مجموعة كبيرة جداً من المراجع العلمية المتخصصة يبلغ عددها نحو 500 مرجع، كما دعم أطروحته بدراسة ميدانية أجريت بدولة الإمارات العربية المتحدة على عينة كبيرة من مختلف الجنسيات قوامها 1500 شخص، مع مقارنات عالمية لدراسات ميدانية أجريت على عينات مختلفة في الموضوعات نفسها، لتعطي للدراسات صبغة عالمية مقارنة، وتعطي القارئ مقاربة معيارية لفهم القيم العالمية بأسلوب يجمع بين التأصيل العلمي الرصين وبساطة العرض والتقديم، في كتاب يقدم فيه مؤلفه خلاصة خبرة وتجربة في مجال البحث العلمي امتدت على مدار نحو ربع قرن، يعرض فيها المؤلف النظريات والحقائق والأرقام في تجرد وحيادية، ثم يقدم رؤيته مصبوغة بالربط بين المقدمات والنتائج، والفروض والتوصيات، في طريقة فريدة تعطي ترابطاً وتناغماً للمحتوى الذي جمع بين مجالات متعددة للتحليل يصعب على كثير من الباحثين المزج بينها بهذه القدرة من الفهم والعمق.

مسارات القوة والنفوذ

ويعدّ الكتاب إضافة نوعية جديدة إلى المكتبة العربية، في محاولة لتقديم نظرة موضوعية تحليلية معمّقة قائمة على الإحصاءات والبيانات والمعلومات، بعيداً عن الانطباعات والانحيازات والرؤى الشخصية غير العلمية، وإسهاماً في تسليط الضوء على بنية ومسارات وهيكلية القوة والسيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد خلال السنوات والعقود المقبلة، بما يسهم في فهم ما يدور إقليمياً وعالمياً، ويساعد على بلورة رؤى استراتيجية واضحة للمستقبل.

جدل متواصل

وفي تناوله للنظام العالمي الجديد، يتخذ الدكتور جمال سند السويدي طابعاً مغايراً لما سبق طرحه من قبل، برغم وجود خطوط اتفاق عامة حول مكانة الولايات المتحدة الأميركية ودورها في هذا النظام، فالجدل العالمي حول ظاهرة مثل العولمة لا يزال محتدماً بين المنظّرين والباحثين بل ورجال الأعمال والمستثمرين حول طبيعتها وتأثيراتها وأبعادها، وكذلك حول سبل تعظيم مردودها. وبين هذا وذاك، هناك من يتقوقع حول ذاته ساعياً إلى تجنب تأثيرات العولمة أو الالتفاف حولها أو الاختباء منها، غير مدرك أن موجاتها باتت من القوة والاندفاع والتسارع بدرجة لم تعد الحواجز الطبيعية أو المصطنعة تجدي معها نفعاً.

وفي هذا الكتاب لا يرسم كاتبه، المستقبل ويخطط له، فالمتغيرات المتسارعة والتطورات الهائلة التي يشهدها العالم قادرة على تجاوز أي تخطيط، ودفع بوصلة التقديرات المستقبلية إلى التذبذب بين مختلف الاتجاهات في حراك متسارع دونما استقرار، فالمستقبل يرسمه الحاضر انطلاقاً من الماضي، وإنما يسعى من خلال هذا الجهد العلمي إلى تسليط الضوء على معطيات الحاضر مع استيعاب دروس الماضي، من دون استغراق فيه، لإدراكه أن الماضي قد يعوق في بعض الأحيان جهود التخطيط للمستقبل، بفعل ما ينطوي عليه هذا الماضي من أثقال وربما إخفاقات قد يتسبب استحضارها في إطلاق سحابة من التشاؤم، أو الحذر على أقل التقديرات، تجاه المستقبل.

فهو لا يسعى في هذا الكتاب إلى رسم خريطة طريق استشرافية، بل إلى توضيح حقائق وتسليط الضوء على مؤشرات إحصائية وتحليلية يستنير بها من يشاء، ويتجاهلها من يريد، لكن في كل الأحوال يبدو من الصعب إنكار دلالات هذه المؤشرات وتأثيراتها، التي تؤطر لنقاشات رشيدة حول النظام العالمي الجديد في حاضره ومستقبله، وبواعث الصراع فيه، ومدى تنوعها من حضارية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو علمية، أو تعليمية، أو قضايا تتداخل فيها كل هذه الأبعاد أو بعضها، وتوضيح إذا ما كانت الصراعات العالمية المحتملة بين الأمم والدول ستنشأ وتتمحور حول الحضارات والأديان والثقافات أم حول المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي وما يرتبط بذلك من تفاعلات العولمة في شتى تجلياتها.

منهج علمي

ويرى د. جمال سند السويدي، أن إدراك اتجاهات التغيير ومساراته وأبعاده وتأثيراته الاستراتيجية المحتملة واستشراف آفاق النظام العالمي الجديد وفق منهج علمي واضح، قد يتيح فرصاً ثمينة للحفاظ على المصالح، كما أن الغوص في تحليل مؤشرات الحاضر وشواهده والتعمق في سبر أغواره يجبرنا حتماً على التفكير في المستقبل. ولا يزعم أنه يطرح رؤية نهائية لا تحتمل النقاش أو الجدال بشأنها، أو يدّعي امتلاكاً مطلقاً للحقيقة، فالمستقبل مفتوح أمام الجميع، ولكن امتلاكه حقاً لمن يؤمن بمنهج التفكير العلمي فقط.

فالعالم يواجه خلال الفترة الراهنة زخماً متداخلاً ومركباً ومتنامياً من التحديات والمخاطر والتهديدات التي تؤثر في صياغة مستقبله، بعضها أفقي يدور داخل الدول ويتسم بكونه عابراً للحدود والجنسيات والأعراق والمذاهب، وبعضها الآخر رأسي يجري بين الدول أو مجموعات من الدول تحقق مستويات نمو مختلفة، نتيجة للتنافس في تحقيق المصالح الاستراتيجية، أو جراء وجود مشكلات حدودية، أو السعي نحو الهيمنة، وسط قوى دولية كبرى تسعى إلى تحقيق مصالحها من دون أي اعتبار لمصالح الآخرين.

وقد أدت التفاعلات الدولية خلال أكثر من ستة عقود، إلى التحول من «نظام دولي» تجري فيه التفاعلات بين الدول ومؤسساتها الرسمية، إلى «نظام عالمي جديد» تتداخل فيه المصالح الوطنية مع المصالح الدولية، وتتم خلاله عولمة الاقتصاد والاتصالات والإعلام والتعليم والثقافة والنظام القيمي.

تداخلات الدور

وقد تداخل دور الدولة بصورة أو بأخرى مع المجتمع العالمي، فلم تعد وحدها مسؤولة عن بناء العلاقات الدولية، ومن ثم أصبحت موضوعات ومفاهيم مثل مكانة الدولة ووضعها والسيادة الوطنية والأمن القومي في حاجة إلى مراجعة لتتوافق مع تقلص دور الدولة في احتكار علاقاتها الخارجية وروابطها الإقليمية والعالمية، تحت ضغط سعي الدول إلى مواجهة التحديات المشتركة والمخاطر العالمية الطابع، لذلك تبرز أهمية دراسة النظام العالمي الجديد ومناقشة أبعاده الثلاثة، التاريخية والراهنة والمستقبلية، للوقوف على بنيته وترتيب القوى داخله وطبيعة عمله وركائزه والعوامل المؤثرة في صيرورته وتطوراته، وتحديد هيكليته المستقبلية، ومن ثم التعرف على مدى تأثير النظام العالمي الجديد في العلاقات الدولية، ودوره في مواجهة الظواهر العالمية التي تهدد وجود البشرية.

مؤهلات القوة الأميركية

ومن خلال تسليط الضوء على بنية النظام العالمي الجديد والتعرف على العوامل المؤثرة فيه، يسعى مؤلف هذا الكتاب د. جمال سند السويدي إلى بناء تصوّر مستقبلي حول هيكل القوى والسيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد خلال العقدين المقبلين، حيث يعتقد أن مقومات القوة الشاملة للولايات المتحدة الأميركية، وهي القطب المهيمن على النظام العالمي الجديد، لاتزال تؤهلها لمواصلة إحكام قبضتها على مفاصل النظام العالمي الجديد وإدارة شؤونه، برغم تفاوت مستويات السيطرة وسلوكيات الهيمنة ومظاهر الأحادية القطبية، وفقاً لتوازنات القوى والصراع بين القوى الكبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي واليابان واقتصادات صاعدة مثل الهند والبرازيل من ناحية، وحسابات المصالح الخاصة بالقطب القائد والمهيمن على النظام العالمي الجديد وهو الولايات المتحدة الأميركية من ناحية ثانية.

وفي سلاسة يقدم إليك المؤلف الحقيقة والبرهان مستنداً إلى زخم من الأرقام والتحليل التي دعم بها عرضه للأفكار في تسلسل واضح، وبطريقة عرض تتسم بالعمق وسهولة الفهم، إذ تخاطب العقل وتعمل الفكر، وتكسر حدة النظريات بطرح أمثلة واقعية وحاضرة في ذهن المتلقي، تقرب الفكرة وتثير لديه المزيد من التساؤلات والرغبة في الاستزادة والمعرفة، فتأتيه على الفور ردود وشروح لها في ما يليها من سطور وصفحات، وما بين صفحات وسطور الكتاب، تنضوي الكثير والكثير من الأفكار والأسرار حول النظام العالمي الجديد.

وعن كتابه الجديد، يقول سعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية: أسعى من خلال هذا الجهد العلمي إلى تسليط الضوء على معطيات الحاضر مع استيعاب دروس الماضي، من دون استغراق فيه، لإدراكي أن الماضي قد يعوق في بعض الأحيان جهود التخطيط للمستقبل، بفعل ما ينطوي عليه هذا الماضي من أثقال وربما إخفاقات قد يتسبب استحضارها في إطلاق سحابة من التشاؤم، أو الحذر على أقل التقديرات، تجاه المستقبل.

ويسعى د. جمال السويدي إلى توضيح حقائق وتسليط الضوء على مؤشرات إحصائية وتحليلية يستنير بها من يشاء، ويتجاهلها من يريد، لكن في كل الأحوال يبدو من الصعب إنكار دلالات هذه المؤشرات وتأثيراتها، التي تؤطر لنقاشات رشيدة حول النظام العالمي الجديد في حاضره ومستقبله، وبواعث الصراع فيه، ومدى تنوعها من حضارية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو علمية، أو تعليمية، أو قضايا تتداخل فيها كل هذه الأبعاد أو بعضها، وتوضيح إذا ما كانت الصراعات العالمية المحتملة بين الأمم والدول ستنشأ وتتمحور حول الحضارات والأديان والثقافات أم حول المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي وما يرتبط بذلك من تفاعلات العولمة في شتى تجلياتها.

تساؤلات جوهرية

وأشار المؤلف إلى أن النظام العالمي الجديد يتجه نحو المزيد من العولمة، ولكن يبقى الخلاف حول توصيف الظاهرة الحاصلة، وهل تعبِّر العولمة في جوهرها عن توجه عالمي الطابع أم فرض قسري للنموذج الأميركي والغربي؟ هل العولمة مرادف للتبعية الثقافية بكل ما تعنيه هذه التبعية من سلبيات؟ هل انتهى العصر الأميركي أم لا يزال هناك أفق لهذا العصر لم يتبين الكثير من معالمه بعد؟ هل تدفع التطورات المستقبلية الصين إلى قبول النموذج الثقافي الأميركي وقيمه، أم يستسلم الغرب بأكمله لثقافة الصين وحضارتها الضاربة في عمق التاريخ؟ ربما كان هذا وغيره من التساؤلات وعلامات الاستفهام محور النقاشات العلمية التي دارت في السنوات الأخيرة، وهي أسئلة الحاضر والمستقبل أيضاً، وربما لا يجد بعضها إجابات قاطعة.

الدكتور جمال السويدي حاول في كتابه البحث عن ردود موضوعية لهذه التساؤلات، سعياً منه إلى ملء فراغ بحثي واضح في المكتبة العربية في الدراسات والبحوث الاستراتيجية والمستقبلية، ولاسيما فيما يتصل بهيكلية القوة والنفوذ في النظام العالمي الجديد، وتأثيرات ذلك في دول العالم ومناطقه، رغبة منا في غرس قواعد تفكير بحثية ومنهجية تسهم في فهم أعمق لتفاعلات النظام العالمي الجديد والمتغيرات المؤثرة فيه، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تجنيب دولنا ومجتمعاتنا دفع تكلفة باهظة لتجارب مضنية، قد تُضطر إلى خوضها في حال الوقوع في سوء إدراك أو فهم مغلوط للواقع الاستراتيجي العالمي.

الوجه الآخر للنظام العالمي

وفي إصداره السابق المعنون بـ«وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك»، تطرق الدكتور جمال إلى التأثيرات المختلفة لهذه الوسائل باعتبارها أحد مظاهر وتجليات ظاهرة العولمة في مجال الإعلام، ويتناول في هذا الإصدار الجديد بعضاً من تأثيرات هذه الظاهرة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وكيف أنها تمثل منعطفاً حيوياً من المنعطفات التاريخية في مسار العلاقات الدولية، باعتبار أن العولمة أحد أبرز المؤثرات الحيوية في بنية النظام العالمي الجديد، لدرجة أن بعض الباحثين يعتبرونها الوجه الآخر للنظام العالمي الجديد أو هي المحرك الرئيسي لهذا النظام، إذ تبقى العولمة سمة أساسية لآفاق العصر الأميركي الذي ترسم ملامحه في الحقبة التاريخية الراهنة، حتى إن بعض الباحثين يعتبرونها رمزاً لهيمنة وتفوق القوة العظمى الأولى في النظام العالمي الجديد.

حتمية التفكير المستقبلي

لا شك أن إدراك اتجاهات التغيير ومساراته وأبعاده وتأثيراته الاستراتيجية المحتملة واستشراف آفاق النظام العالمي الجديد وفق منهج علمي واضح، قد يتيح فرصاً ثمينة للحفاظ على المصالح، كما أن الغوص في تحليل مؤشرات الحاضر وشواهده والتعمق في سبر أغواره يجبرنا حتماً على التفكير في المستقبل. ولست أزعم أنني أطرح رؤية نهائية لا تحتمل النقاش أو الجدال بشأنها، أو أدّعي امتلاكاً مطلقاً للحقيقة، فالمستقبل مفتوح أمام الجميع، ولكن امتلاكه حق لمن يؤمن بمنهج التفكير العلمي فقط.

ويقول د. جمال سند السويدي: لا يسعني مع الإعلان عن كتابي الجديد هذا، إلا التقدم بوافر الشكر إلى سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة حفظه الله، على دعمه المستمر للعلم والعلماء، والباحثين ومراكز البحث، وإلى سيدي الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الذي أهديه هذا الجهد المتواضع الذي أطمح أن يرقى إلى توقعاته منا، ويتناسب مع ما يوليه لنا من رعاية واهتمام ودعم كبير.

ويقول الدكتور جمال السويدي «بمناسبة صدور كتابي هذا، أود أن أعبر عن امتناني وتقديري لعائلتي التي قدمت لي كل الدعم والتشجيع على مواصلة مسيرتي البحثية، وظلت، ولا تزال، خير سند لي طوال رحلة حياتي العلمية. والشكر موصول إلى المحررين والمدققين وأخصائيي المعلومات والمراجعين الذين ساعدوني في توفير المادة العلمية التي تطلّبها إنجاز هذا الكتاب، واهتموا بالمحتوى لغوياً كي يصدر بالشكل المرجوّ. كما لا يفوتني في هذا المقام توجيه خالص الشكر والعرفان إلى كل الزملاء الأكاديميين والباحثين في داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، ممن قاموا بإبداء ملاحظاتهم ووجهات نظرهم حول هذا الكتاب، والتي استفدت منها، معتبراً أن التواصل الفكري والتفاعل العلمي الخلاق يسهمان جدياً في بناء تصورات وبلورة رؤى دقيقة من أجل تحقيق ما نهدف إليه جميعاً، وهو خير شعوبنا ومستقبل أمتنا العربية، وأجيال قادمة ترنو بكل أمل إلى غدٍ أفضل».

واختتم د. جمال السويدي قائلاً: لا يسعني إلا تقديم الشكر والاعتزاز إلى وسائل الإعلام على مشاركتها المستمرة في تعزيز البحث العلمي، والإنتاج الفكري، وشهادتهم الحية على ما يُبذل من جهد وإخلاص في خدمة الوطن. وإذ أتطلع إلى تلقي تعليقات وتعقيبات القراء والباحثين والدارسين على كتابي هذا، أرجو المولى، عزّ وجلّ، أن يمثّل هذا الكتاب إضافة قيمة وإثراءً للمكتبة العربية، وأن يحوز قبولكم، وقبول قارئيه.

رابـط الخـبر

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات