هكذا فَهِمتُ المُستشار

  • 21 يونيو 2016

بقلم : محمد حسن الحربي

ليس هنالك فترة زمنية، أو حقبة من حقب التاريخ البشري، خَلت من دون دين، وهو رافق الإنسان منذ بداية الخلق وحتى اليوم. بكلمات أبسط، لم يثبت أن مرت على البشرية فترة زمنية بعينها، كان الناس فيها خلوا، من دون معتقد. بصرف النظر عن طبيعة هذا المعتقد وتوصيفاته، والبرهان على ذلك، النظر إلى الأمم والشعوب من حولنا، حيث نجد فيهم من يعبد الله ويوحده، ومن يعبد الجماد، وفيهم من يعبد مخلوقات أخرى. لكلٍ دينه، وإلهه الذي يؤمن به ويعبده، ويمارس طقوساً عبادية للتقرب منه. نزيد على ذلك، أنه لم يثبت أن مر على الإنسان زمن، كان فيه من دون سلطة، فحتى في غابات أفريقيا والأمازون، تلك الأعماق المجهولة بالنسبة لكثير منا، حيث تعيش قبائل خارج التاريخ والحضارة المدنية.. حتى تلك القبائل تجد أفرادها يؤمنون بمعتقد، يجسدونه على طريقتهم، ويعبدونه ويتقربون إليه، ولهم سلطة يدينون لها بالولاء، ممثلة برئيس القبيلة، يطيعونه، ويأتمرون بأوامره التي من المؤكد، أن فيها مصالح للقبيلة، تحفظ لها أمنها وموارد عيشها.

كلام كهذا ليس بديهياً فقط، بل بات مفهوماً حتى لدى عامة الناس، لكن بعضنا يتغافل عنه، أو ينساه بسبب انشغالات الحياة، لكن بالتأكيد هنالك من يتناساه أو يتغافل عنه لسبب أو لآخر. هنالك مشكل في قضية الدين والسلطة وعلاقتهما بالإنسان، لدى العرب تحديداً، تتمثل في حيرة غير مسبوقة تاريخياً، يعيشها الفرد اليوم. ومجريات الأمور في المنطقة العربية والإقليمية، وفي العالم إلى حد ما، تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية وضع هذا الإنسان العربي، والمسلم تحديداً، في هذا الموقف، فهي التي دفعته إلى هذه المنطقة الرمادية، فـ«تشوشت» لديه الرؤية، وصعبَ عليه رؤية الطريق السليم.

إن كل شيء يحدث اليوم، على أرض الواقع، في المنطقة العربية والإقليمية، يجري «تطييفه» دينياً وسياسياً، ليكون إما أبيض وإما أسود. يقوم بهذه العملية، ومن أسف شديد، مؤسسات رسمية وأهلية، عربية وإقليمية، وبعضها دولي، ومعها ماكينة إعلامية تعمل على مدار الساعة، لا تكل ولا تمل، ليجد الشخص منا نفسه، في عالمنا العربي والإسلامي تحديداً، بين خيارين متطرفين، فإما أن تكون سنياً، «إخوانياً» على الأغلب، تؤمن بـ«دولة الخلافة الإسلامية» وعودتها مجدداً. وإما أن تكون شيعياً «إمامياً» على الأغلب، تؤمن بـ«المهدويَّة» المنتظرة. بكلمات أبسط: لدى «الإخوان»، دولة الخلافة تعتبر من أصول الدين، وبالتالي فمن لا يؤمن بها، يعدُ كافراً. ولدى الشيعة الإمامية، المهدويَّة أمر رئيس وفارق، من لا يؤمن بها، يعدُ كافراً.

وفي تأمل بسيط لهذا المشهد «الحدّي»، يجد الإنسان نفسه محاصراً بين الوهم والأسطورة، الوهم، أن دولة الخلافة الإسلامية، لم يعثر لها على نص، واضح وبيّن، في كل التاريخ الإسلامي، وما حدث، لم يكن سوى اجتهاد في مجال شؤون الدنيا، ولا علاقة له بشؤون الآخرة. وبعد تفتت الدولة العباسية، لا معنى للحديث عن دولة خلافة. الأسطورة، أن المهدويَّة برزت في وقت متأخر، في أواخر العهد الأموي، بداية العباسي، ولا وجود لها في صدر الإسلام، على الإطلاق. لو ذهبنا في التأمل أعمق قليلاً، ماذا نجد؟: «الإخوان» قدموا للحضارة البشرية «القاعدة»، وبعد التطوير والتحسين، قدموا نسخة «داعش»، و«المهدويَّة» قدمت للإنسانية «الحشد الشعبي». والطرفان يتنافسان في إدارة التوحش، أيهما الأكثر إيغالاً في الدم، أيهما أكثر ترعيباً وترهيباً من الآخر.. ليتنا تأملنا ما قاله المفكرون الإسلاميون، محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي، وخصوصاً الشيخ علي عبد الرازق: «الدين علاقة العبد بخالقه..». ونقطة على السطر. من وحي محاضرة المستشار بديون صاحب السمو، ولي عهد أبوظبي، الدكتور فاروق حمادة، بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبوظبي.

رابط الخبر

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات