قنبلتا هيروشيما وناجازاكي.. هل وعى العالم الدرس؟

  • 7 يونيو 2016

بقلم: أ. د. جمال سند السويدي

على الرغم من الكوارث المروعة الكثيرة التي مرّت عبر التاريخ، فإن إلقاء الولايات المتحدة الأميركية قنبلتين نوويتين على مدينتي: هيروشيما (6 أغسطس 1945)، وناجازاكي (9 أغسطس 1945) اليابانيتين، يظل كارثة فارقة لا يمكن للعالم، وليس اليابانيين فقط، أن ينساها، ليس فقط بسبب الآثار التدميرية غير المسبوقة التي نتجت عنها (مقتل نحو 140 ألفاً في هيروشيما، ونحو 80 ألفاً في ناجازاكي، فضلاً عن المصابين والآثار الكارثية الأخرى)، وإنما لأنها وضعت الحياة الإنسانية كلها أمام خطر إبادة شاملة حقيقية بسبب القنبلة النووية، حتى إن العلماء الذين شاركوا في صنع القنبلة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، شعروا بالرعب وتأنيب الضمير لأنهم لم يكونوا يتوقعون حجم الدمار الذي نتج عنها، ومن ثم دعا عالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين إلى نزع السلاح النووي تماماً وإلا ستكون النتيجة كارثية. بل إن العالم الألماني كلاوس فوخس، الذي أُدين بتسليم أسرار نووية إلى الاتحاد السوفييتي السابق قال في محاكمته، إن ما دفعه إلى ذلك ليس المال وإنما تأنيب الضمير جرّاء ما جناه العلماء على البشرية من اختراع السلاح النووي، ومن ثم رأى أن الحل الوحيد لمنع استخدامه هو القضاء على احتكاره لدولة واحدة من أجل تحقيق الردع النووي.

ثمة جدل تاريخي حول السبب الحقيقي الذي دفع الولايات المتحدة الأميركية إلى ضرب هيروشيما وناجازاكي بالسلاح النووي، خاصة أن اليابان كانت في طريقها إلى الاستسلام بالفعل، لأنه لم يكن بمقدورها أن تقف بمفردها في وجه الحلفاء بعد استسلام ألمانيا في مايو 1945، واستسلام إيطاليا في عام 1943. لكن من الواضح أن الرئيس الأميركي في ذلك الوقت هاري ترومان كان مصمماً على استخدام هذا السلاح، ليس فقط لإجبار اليابان على الاستسلام، وإنما لتوجيه رسالة إلى الاتحاد السوفييتي من ناحية، وإعلان الزعامة الأميركية للعالم من ناحية أخرى. وأياً كان الأمر، فإن حقبة تاريخية جديدة بدأت مع تفجير أول قنبلة نووية فوق هيروشيما ومظاهر الرعب والدمار التي سببتها، تتميز بسمات أربع: السمة الأولى، أن العصر النووي وضع حداً للحروب العالمية الكبرى، وحلّت محلها الحروب الباردة أو الصغيرة أو بالوكالة؛ لأنه لم يعد ممكناً في ظل وجود السلاح النووي اندلاع حروب عالمية من دون استخدامه بما ينطوي عليه ذلك من تدمير كامل للبشرية. السمة الثانية، إطلاق حركة عالمية واسعة، حكومية وغير حكومية، لنزع السلاح النووي، وكانت اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية في عام 1968 من أبرز نتائج هذه الحركة، لكنها كانت من دون فاعلية كافية، والدليل على ذلك، زيادة عدد الدول النووية بشكل كبير، ورفض بعض الدول الانضمام إلى الاتفاقية ورفع قفاز التحدي لها وامتلاك السلاح النووي، مثل: الهند، وباكستان، وإسرائيل، وكوريا الشمالية. السمة الثالثة، أنه على الرغم من الآثار التدميرية المروعة لقنبلتي هيروشيما وناجازاكي، فإن هذا لم يكن كافياً لإقناع دول العالم المختلفة بالتخلي عن الطموحات النووية، بل إن العكس هو الذي حدث، حيث انطلقت منافسة قوية للحصول على السلاح النووي لارتباطه بمكانة الدولة ونفوذها وهيبتها، خاصة في ظل إصرار الدول الكبرى على الاحتفاظ بسلاحها النووي، بل وتطويره، وضعف الأطر القانونية الدولية لمنع الانتشار النووي. السمة الرابعة، أن العالم قد أصبح في مواجهة خطر التدمير والإبادة، ليس من خلال حروب نووية، وإنما بسبب وقوع السلاح النووي في أيدي جماعات متطرفة تؤمن بأيديولوجيات تدميرية، أو في أيدي أنظمة حكم غير رشيدة لا تحسب قراراتها ولا تقدر عواقبها، أو حدوث خطأ بشري ممن يتولون المراقبة أو الإشراف على الأسلحة النووية. فعلى الرغم من أنه لم يتم استخدام الأسلحة النووية منذ عام 1945، فإن العالم تعرض خلال هذه العقود لخطر التدمير النووي مرات عدة بسبب أخطاء بشرية، ولعلني هنا أحيل القارئ الكريم إلى الدراسة التي نشرها معهد «تشاتام هاوس» البريطاني في إبريل 2014 تحت عنوان:Too Close for Comfort: Cases for Near Nuclear use and Options for Policy، التي تضمنت 13 حدثاً مرعباً وضعت العالم على حافة الهاوية النووية بسبب الأخطاء البشرية. ومن الأشياء الخطيرة التي تشير إليها الدراسة، أن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، ترك الرمز الخاص بإطلاق السلاح النووي في بدلته التي تم أخذها إلى التنظيف في السبعينيات من القرن الماضي، والأمر نفسه حدث مع الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران في مايو 1981، وأن مساعدي كل من الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، والرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، كانوا قلقين تجاه قراراتهما بشأن السلاح النووي، بسبب ولعهما الكبير بالكحول.

إن التدمير الضخم الذي نتج عن قنبلتي هيروشيما وناجازاكي، يؤكد أنه لا خيار أمام البشرية إلا العمل بكل قوة من أجل عالم خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، لأن الأمر يتعلق بالوجود الإنساني نفسه. وعلى الرغم من الانتكاسات التي أصيبت بها محاولات إخلاء العالم من هذه الأسلحة، أو على الأقل تقييد انتشارها، فإنه لا بديل عن الاستمرار في العمل والمحاولة بعد المحاولة، فحينما يقول «معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي» إن عدد الرؤوس النووية في العالم وصل في عام 2015 إلى 15850 رأساً، منها 7260 رأساً في الولايات المتحدة الأميركية، و7500 رأس في روسيا، فإن هذا يشير إلى أن العالم قد أصبح يختزن بين جنباته أسباب فنائه، ولا يحتاج الأمر إلا إلى قرار طائش أو خطأ في الفهم والتقدير أو زلة بشرية لكي يتم تدمير الحضارة الإنسانية برمتها. وفي ظل حالة الفوضى والسيولة التي يعانيها العالم، خاصة في ظل انتشار المنظمات الإرهابية والأيديولوجيات الدينية والقومية والعنصرية المتطرفة، يبدو التصدي لمحاولات نشر أسلحة الدمار الشامل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ويجب أن يكون مقدماً على المصالح الاقتصادية الضيقة أو حسابات التنافس السياسي بين القوى العالمية الكبرى التي عليها الدور الأكبر في هذا الشأن، خاصة الولايات المتحدة الأميركية وروسيا اللتين تمتلكان نحو 90% من الترسانة النووية في العالم.

رابــط الخبر

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات