العصامية الكبرى

  • 15 نوفمبر 2014

بقلم: د. عبدالحق عزوزي

كل من يعرف د.جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، يرى بأم عينه أنه رجل مطلع ومجتهد، وقارئ نهم وله بعد استراتيجي في تآليفه، وحنكة وتجربة لا يعلى عليها في التسيير والإنتاج، وتشجيع أبناء وطنه وأمته لتحمل مسؤولية الإنتاج الفكري والإبداع، ويبهرك عندما يتحدث معك لسعة علمه وكثرة اطلاعه وصواب تفكيره.. فهي المسيرة التي تستنير كل وقت من أوقات الالتقاء، وكل خطوة من خطوات الاستبصار والاستجلاء والتحليل والتقييم، بنور جديد ويقين وهاج، يمتلك قدرة لا توصف في الولوج إلى قلب من أمامه، ويعود ذلك لتطبيقه قاعدة الاستماع قبل إبداء الرأي، فهو يحسن الإصغاء قبل الكلام ثم التسلل إلى قلب متحدثه بسهولة؛ وشخصيته هي شخصية رجالات الدولة الكبار التي تكون جذابة أخاذة، ثرية وسخية، قائمة على أصول لا تحور ولا تحول، فهو مؤمن أقوى وأصلب ما يكون الإيمان، بأمثل المبادئ وأسمى القيم، ثاقب البصر ناقد الإدراك لمتعدد التيارات والمذاهب، طريفها وتليدها، وكثرة علمه وسعة اطلاعه تجعله في شعوره وتفكيره ونضاله وكفاحه وإرشاده وتوجيهه وتعريفه وتثقيفه صبا عميدا بالأصالة والأثالة، لا يحيد عن قصدهما، ولا يجور ولا يستسيغ من القديم والحديث والغريب والجليب إلا ما يتطلب ويتلاءم، وما يؤمن به من أصالة العقيدة وأصالة الالتزام وأصالة المناهج. وهو من أولئك الذين يناضلون عن أصالة بلدهم ووطنهم ووحدة لواء العروبة والإسلام، ويسهرون على إرهاف وعي الخاص والعام، وإزاحة رواسب ليالي المحنة المرهقة بصراع القوى ومعترك المذاهب وصدام التيارات، ويظلون في موقعهم من ميدان الجهاد والإنتاج والإبداع.

كان لي شرف قراءة كتاب أخير له سيصدر في الأسابيع المقبلة سماه “السراب”، وهو كتاب يقع في 737 صفحة وسبعة فصول وخاتمة، خاضع للقواعد الأكاديمية والعلمية في الشكل، ومكتوب بأسلوب عربي فصيح.. كما أن الأسلوب العذب السلس المفهوم الذي اتبعه الكاتب عبارة عن رحابة تنطلق فيها النفس بجناحين في فضاء فسيح.. فما نراه في العديد من الكتب المعتمدة هو عدم تمكن بعض الكتاب رغم قامتهم الفكرية ووهجهم الفكري من المحافظة على سلاسة الأسلوب العربي، والكتاب يعيد للضاد وهجه القديم، عندما كان هو غاية وجود العربي في أفراحه وأتراحه، وحداءه في السفر، وأهزوجته في العمل، وكتابه في العلم والتعليم.

أما من حيث المضمون فهو كتاب لا مثيل له، يشرح الواقع ويستعمل الحجج الدامغة والعقلانية للرد، ويستشرف المستقبل ويستحضر التاريخ وعلوم الدين والسوسيولوجيا الاجتماعية، وغيرها في موضوع حساس يشغل الخاص والعام، ليس في وطننا العربي وحسب وإنما العالم بأسره: إنه الإسلام السياسي.. فالكتاب يطرح أسئلة عديدة، وهي عبارة عن إشكاليات مقارناتية معتمدة في أدبيات المناهج العلمية في الأطروحات (كالدكتوراه)، والمعتمدة في أعرق الجامعات العالمية، وهاته الإشكاليات من قبيل: “لماذا استطاع الغـرب في أواخـر القـرن الخـامس عشــر الميلادي فصل الدين عن الدولة، بينما نرى في الدول العربيـة والإسـلامية، وفي القرن الخامس عشـر الهجري تحديدا، إصــرارا ومحـاولات دائبـة مـن الجماعات الدينية السياسية لاستغلال الدين- من خلال مزجه بالسياسة- لتحقيق مآرب حزبية وشخصية؟ لماذا تقوم هذه الجماعات باحتكـار تفسـير الدين، وتروج لمفاهيم غير واقعية؛ مثل الخلافة والبيعـة، ويـذهب العديـد منها إلى تكفير مخالفي الرأي وقتلهم، مخالفة بذلك أسسا ومبادئ رئيسية تم ترســيخها بالــدين الحنيــف، الــذي يســعى إلى غــرس أســس الوســطية والاعتدال؟ وفي نهجهم هذا تباين صـريح مع قوله سبحانه وتعالى: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”، وقوله أيضا: “ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”، وقوله تعالى: “قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (*) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (*) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (*) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (*) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (*) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (*)، ثـم لمـاذا فشـلت تجارب هذه الجماعات في بناء إجماع وطنـي في دولهـا، وتقـديم إجابـات عـن سؤال الإحياء أو التحديث، وتهاوت سـريعا بعد أن فشلت في فهم محركات الوعي الجماعي للشعوب التي لم تكن قد انتخبتها لثقة في تدينها، بل لرغبـة في الخروج من المأزق التنموي، وبحثا عن حلول للمشكلات القائمة”. ومن قبيل: “إن الواقع يكشف وجود قدر كبير من التشـابه بـين مرحلـة التخلف في القارة الأوروبية في القرون الوسطى وأفكار الجماعـات الدينيـة السياسية وممارساتها في العالمين العربي والإسلامي خلال العصـر الحـديث، وذلك من الناحية الفكرية والسياسية وعلاقة الدين بالسياسة، ودور رجـال الدين في كلتا الحقبتين، مع تسـليط الضـوء عـلى مفارقـة القـرنين الخـامس عشـر الميلادي والخامس عشـر الهجري، وتوضيح القواسم المشتركة بيـنهما في أنماط الفكر السائدة في أوروبا والعالمين العربي والإسلامي، وهـل تعنـي هــذه المفارقــة أن العــالمين العــربي والإســلامي يخوضــان معركــة ســبق للأوروبيين خوضها منذ نحو خمسة قرون مضت؟ وهل يعني ذلك أن هذه القرون الخمسة تمثل المسافة الزمنية التي تفصل بين الحضارتين؟ وهـل مـن سبيل إلى تجاوزها؟ ولا شك في أن محاولة الإبحار بين مـرحلتين تـاريخيتين تفـرز تلقائيـا أسئلة عدة: ما حدود التشـابه والاخـتلاف بـين عصـور الظـلام في القـارة الأوروبية والمناخ الفكـري السـائد في الكثـير مـن منـاطق العـالمين العـربي والإسلامي في المرحلـة الراهنـة؟ وأي الفترتـين أكثـر ظلاميـة في أفكارهـا وحكمها؟ وما أبرز العوامل التي دفعت باتجاه كل من الحالتين عـلى حـدة؟ وهل يمكن أن يكون الظلام مقدمة للنور؟ وهل التخلف والحداثة يمـثلان متلازمة حضارية وحتمية تاريخيـة لا فكـاك بيـنهما، بحيـث يصـبح المـرور بالتخلف شــرطا لازمـا للعبـور باتجـاه الحداثـة؛ ولماذا ينظـر إلى الحداثـة باعتبارها نقيضا للتدين، ورفضـا للـدين وتعاليمـه؟ ولمـاذا تتصـور بعـض الفئات أن الحديث عن الدين ينتهي مع بداية الحديث عن التقدم والتطور؟ وهل ثمة فارق حقيقي بين أن تكون دولة مـا دينيـة أو ذات سـلطة دينيـة؟ ولماذا اختفت المفاهيم المرجعية لمصـلحة الأفكـار الهدامـة، مثـل تلـك التـي تعتنقها الجماعات الدينية السياسية؟”، وهاته الإشكالات وغيرها تطلبت من الكاتب مجهودا رياضيا وعلميا غير يسير، لأن أصعب ما يمكن أن يكتب في هذا الباب هو هذا النوع من الدراسة المقارناتية في مجالات لم يخض فيها المفكرون العرب كثيرا، وإن خاضوا فيها فبطريقة صحافية أو علمية ناقصة، (إما وصفية أو سجالية أو دعائية أو غيرها)، وهذا النوع من الإشكاليات التي تطرق إليها الكاتب بنجاح وبذكاء ستنفع الخاص والعام، العربي والغربي، صاحب القرار والجامعي، السياسي ورجل الشارع العادي، وهي بوابات محكمة لفهم ما استغلق فهمه عليهم، لأنها تطل على مجمل ما يمكن أن يعرف عن المجال السياسي فهما وتحليلا وتنظيرا ونقدا واستشرافا ومقارنة، ويمكن أن تبنى عليها سياسات عمومية من الدول، بل ويمكن أن تكون فاتحة خير حتى لأولئك الذين ساروا في واد غير ذي زرع، إذا هم قبلوا النقد الذاتي وإعادة بناء الأفكار والمعتقدات.

والطبيعة الاستشرافية لمنهجية د.جمال لا تخفى، فالكتاب ليس فقط عبارة عن تحليل ووصف ودراسة ونقد وحجج دامغة، وإنما أيضا هو حلول وسياسات عمومية يمكن أن تتبناها الدول، وهذا هو القيمة المضافة للكتاب في خانة العلوم الإنسانية وبالضبط العلوم السياسية المقارنة، وفي خانة مسيرة مجتمعاتنا العربية، عل أولادنا الصغار عندما يكبرون يجدون بإذن الله مجتمعات سليمة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات