إلغاء «الخلافة»… والتفكير خارج الزمن

  • 3 مايو 2016

بقلم: أ. د. جمال سند السويدي

لا شك في أن إلغاء الخلافة في عام 1924، على يد مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، كان حدثاً مفصلياً في تاريخ المسلمين والعرب، بل العالم أجمع. فعلى الرغم من أن الخلافة لم يكن لها وجود فعلي منذ سنوات طويلة قبل إعلان إلغائها، خاصة مع سيطرة الدول الأوروبية على الأراضي التابعة لها بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وتجريد الخليفة العثماني من سلطته السياسية ولقب السلطان عام 1922 وتحوله إلى رمز ديني لا سلطة حقيقية له، فإن إلغاءها رسمياً في الثالث من مارس 1924، وطرد آخر خلفاء بني عثمان، عبدالمجيد الثاني، خارج البلاد، كان يعني نهاية رسمية لنظام سياسي- ديني ساد العالم الإسلامي على مدى ثلاثة عشر قرناً ميلادياً شمل الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية ما بين (632 و1924)، ومن ثم بروز عصر الدولة الوطنية في العالمين العربي والإسلامي، خاصة مع تحول تركيا نفسها، مقر الخلافة على مدى قرون عدة (نحو ستة قرون)، إلى دولة وطنية بحدود واضحة بعد أن أُجبرت على التخلي عن المناطق غير التركية التي كانت تسيطر عليها، بل إنها تعرضت هي ذاتها للاحتلال قبل أن يستطيع مصطفى كمال أتاتورك تحريرها والمحافظة عليها من التقسيم على أيدي الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى.

لكن التأثير الأهم، من وجهة نظري، لإلغاء الخلافة، هو أنه قد أزال عنها القدسية الدينية التي التصقت أو ألصقت بها على مدى قرون طويلة ومنعت أو حرّمت أي نقاش حول شرعيتها أو طبيعة علاقتها بالدين أو مدى ملاءمتها لتغيرات العصر وتبدل الظروف والأزمان، وفي هذا السياق جاء كتاب الشيخ الأزهري علي عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم… بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام»، الذي أصدره عام 1925، أي بعد عام واحد فقط من إلغاء الخلافة، وأثبت فيه أن الخلافة ليست أصلاً من أصول الدين، وأن الإسلام لم يقدم نموذجاً محدداً للحكومة أو السلطة، وإنما ترك الأمر لاجتهاد المسلمين؛ لأن القرآن الكريم خلا من أي إشارة إلى الخلافة وكذلك السُّنة النبوية، بل إن علي عبد الرازق اعتبر أن الخلافة «نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد»، ولذلك فقد كان هذا الكتاب بمنزلة الحجر الذي أُلقي في المياه الراكدة، حيث فتح مؤلفه، بشجاعة فكرية كبيرة، الباب واسعاً لإعادة النظر في كل ما أحيط بفكرة الخلافة ونظامها من أفكار مغلوطة على مدى قرون طويلة. وعلى الرغم من أن الشيخ علي عبدالرازق قد واجه هجمة شرسة وصلت إلى حدّ تكفيره وفصله من الأزهر الشريف، ويبدو أن هذا هو قدر المصلحين في كل زمان ومكان، فإن وَقْع كتابه كان كبيراً، خاصة أنه كان من علماء الدين، ومن ثم كان رأيه حول الخلافة وموقعها من الشريعة صادراً من أهل اختصاص وعلم في هذا الخصوص، وفضلاً عن ذلك فإن الهجوم عليه دفع الكثير من المفكرين، مثل: طه حسين، وعباس محمود العقاد، والدكتور محمد حسين هيكل، وسلامة موسى وغيرهم، إلى الوقوف إلى جانبه ودعمه، وهذا كسر حاجز الخوف الذي كان يمنع الحديث عن «الخلافة» أو مناقشة موقعها من الدين وموقع الدين منها. وعلى الرغم من مضي عقود طويلة على صدور كتاب الشيخ علي عبدالرازق لأول مرة عام 1925، فإن أفكاره ما زالت وكأنها كتبت لعصرنا الحاضر، وهذا يكشف عن أزمة فكرية كبيرة وممتدة في تاريخنا الحديث، وهي أننا لا نحسم معاركنا الفكرية الكبرى ولذلك تظل قائمة وتستمر أسئلتها مطروحة من دون إجابات حاسمة، وهذا ما جعل كل أسئلة النهضة معلقة منذ أن طرحها رواد النهضة العربية الأوائل في نهاية القرن الثامن عشر وما زالت تثير الجدل والخلاف في القرن الحادي والعشرين.

الغريب في الأمر أن هناك مَنْ اعتبروا، وما زالوا، أن إلغاء الخلافة كان «نكسة» أو «مؤامرة» على العالم الإسلامي، وإنكاراً لركن من أركان الدين، وسعوا، وما زالوا، إلى إحيائها من جديد، على الرغم من أنه في ظل الخلافة العثمانية، على سبيل المثال، وَقَعت دول العالمَين العربي والإسلامي تحت الاحتلال الأجنبي، وتخلّفت هذه الدول عن ركب الحضارة الحديثة بما فرضته عليها «الخلافة» من نظم وقوانين وقيود جامدة ومضادة لحركة التطور والتمدن، ولم يكن فيها من الدين إلا شعار أو ستار يستخدمه «الخلفاء» و«السلاطين» لبسط سيطرتهم على الرعية وتبرير سياساتهم وتقوية سلطتهم وتوسيع ملكهم. وفي هذا السياق ظهرت جماعة «الإخوان المسلمين» في عام 1928، كردّ فعل على إلغاء الخلافة، رافعة شعار عودتها، وظهرت بعدها جماعات وحركات أخرى ترفع الشعار نفسه بصيغ وأساليب مختلفة منها تنظيم «داعش».

وعلى الرغم من مضي أكثر من تسعين عاماً على إلغاء «الخلافة»، وسيادة منطق الدولة الوطنية في العالم كله، فإنه يبدو أن الداعين إلى عودتها واعتبارها من الشرع والدين ما زالوا يصرّون على التفكير خارج سياق الزمن، ولذلك فإن المعركة الفكرية معهم ما زالت تحتاج إلى المزيد من الجهد البحثي والفكري الشجاع، وخاصة أن وصول بعض جماعات الإسلام السياسي إلى السلطة أو المشاركة فيها بعد أحداث ما عُرف بـ«الربيع العربي»، قد كشف بوضوح عن أن إقامة «الخلافة» هو الهدف المحوري في فكر هذه الجماعات، حتى لو كانت «خلافة كرتونية» أو عبثية مثل تلك التي أعلنها تنظيم «داعش».

رابــــط المقال

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات