أوباما والشرق الأوسط: الوعود والسياسات

  • 13 أغسطس 2010

أعطى انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة في بداية عام 2009، انطباعاً قوياً بإبعادها عن إرث السياسة الخارجية لـ”المحافظين الجدد”، وببدء حقبة جديدة لسياسة خارجية تتواءم مع عالم مترابط متعدد الأقطاب، وبتغيير قادم يشمل الصراع العربي الإسرائيلي، والدور التقليدي لواشنطن… لكن واقع النهج الذي اتبعه أوباما تجاه منطقة الشرق الأوسط، بعد فترة من توليه الرئاسة، عبّر عن تناقض صارخ مع الصورة المتفائلة بالدور الأميركي المرتقب في عهد أول إفريقي يترأس البيت الأبيض.

على هذه الخلفية يثير فواز جرجس، في كتابه “أوباما والشرق الأوسط… مقاربة بين الخطاب والسياسة”، عدة تساؤلات: هل عزز أوباما آمال العرب والمسلمين كثيراً؟ هل يستخف الرئيس الأميركي بتعقيدات المنطقة؟ وهل يدرك مخاطر عدم الوفاء بوعوده؟ وهل يعرف فريق سياسته الخارجية التكلفة السياسية لهذه الوعود؟ وهل كانت آمال العالم العربي في أوباما أكثر من اللازم؟ وهل بقي أمل في سياسة خارجية أميركية جديدة تجاه المنطقة العربية؟

وفي معرض إجابته على هذه التساؤلات يذكرنا المؤلف بالخطابات التي دشن بها أوباما تواصله مع الشرق الأوسط، بدءاً بخطاب التنصيب الذي ألقاه، ثم في لقائه مع قناة “العربية” الفضائية، والذي تلاه خطابه التاريخي في تركيا، وأخيراً خطابه المهم في القاهرة والموجه إلى العالم الإسلامي. ومع كل واحد من هذه الخطابات كان ينمو إحساس برياح تغيير قادمة تشمل الصراع العربي الإسرائيلي والدور التقليدي للولايات المتحدة، حيث وعد أوباما بتصحيح المسار الذي اتبعته إدارة بوش وإعادته إلى مسلك “الواقعية الحديثة” الذي طالما حدد المشاركة الأميركية في النظام الدولي. لقد أوقف أوباما عملية ترويج الديمقراطية التي بدأها سلفه، واختار بدلاً عنها إبداء الود تجاه حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة. كما مد يده إلى بعض النظم المعادية للولايات المتحدة.

لكن، كما يوضح الكتاب، سرعان ما ظهر تناقض حاد بين واقع سياسة أوباما في الشرق الأوسط وبين الوعود التي قطعها في خطاباته. فقد بقي معتقل جوانتانامو مفتوحاً، وتواصل التصعيد العسكري الأميركي في أفغانستان وباكستان، ووصلت عملية السلام بين العرب وإسرائيل إلى طريق مسدود، وانتهت ضغوط أوباما على نتنياهو لوقف الاستيطان إلى تنازل واضح من جانب الولايات المتحدة. وفي العراق، مازالت الاستراتيجية الأميركية بعيدة المنال، واستمر الوجود الأميركي في منطقة الخليج، وشهد الموقف بين واشنطن وطهران مزيداً من التصعيد بدل الحوار.

وهكذا بات هناك إدراك متزايد في المنطقة بأن أوباما لم يفِ بوعوده، وأنه فشل في تحقيق طموحاته، وأن الآمال التي عُلقت عليه لم يتحقق منها شيء… بل تزداد الهوة عمقاً واتساعاً بين ما يقوله أوباما وبين نظرة الشرق الأوسط إلى رئاسته، لاسيما في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي.

وفي هذا السياق يعتبر المؤلف أن أوباما، والذي هو محكوم بوقائع كونه رئيساً للولايات المتحدة، أخطأ جذرياً في الحكم على تعقيدات منطقة الشرق الأوسط عندما وجه خطابه إليها. كما أن هناك إجراءات كان بإمكانه اتخاذها تجاه المنطقة، وهي ذات تكلفة سياسية، لكنه تجنبها مانحاً الأولوية لخطة الرعاية الصحية وأجندته المحلية. وأخيراً، أظهر أوباما أن خطاباته لا تمثل جميعها مواقفه السياسية الحقيقية؛ فالمسرح الباكستاني الأفغاني، والملف الإيراني النووي، يمثلان الأولوية القصوى لإدارة أوباما، وليس عملية السلام العربية الإسرائيلية.

وهكذا “استطاع” أوباما أن يخيب آمال العرب الذين اعتقدوا أنه سيمثل انفصالاً دراماتيكياً عن سلفه، لكن هؤلاء أيضاً تجاهلوا تعقيدات النظام الأميركي نفسه، وحقيقة أن يدي رئيس الولايات المتحدة غالباً ما تكونان مقيدتين بالكونجرس، ومؤسسة السياسة الخارجية، واللوبي الإسرائيلي.

وانطلاقاً من وقائع ما جرى، وتضييقاً للهوة بين وعود أوباما وسياساته، يعتقد المؤلف أن هناك أربع توصيات أو اقتراحات يمكن أن يشرع فيها رئيس البيت الأبيض خلال الفترة المقبلة:

عليه أولاً ألا يستخدم فقط منبر الرئاسة، بل يمكنه أن يتخذ كذلك تدابير قوية لإيصال رسالته إلى نتنياهو. ثم عليه ثانياً أن يفي بتعهده في احترام الخيارات الانتخابية للشعوب العربية والمسلمة. كما يمثل (ثالثاً) جلاء القوات الأميركية من البلاد الإسلامية شرطاً ضرورياً لتهدئة العلاقة بين أميركا والإسلام. وأخيراً على أوباما أن يشرك الحركات الاجتماعية الرئيسية في الشرق الأوسط؛ في إطار عقد تقدمي جديد بين الولايات المتحدة والمجتمعات الإسلامية يقوم على أساس الانسجام المستدام، وليس على أساس المخاوف الأمنية قصيرة الأجل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات